تتجه دول خليجية، وفي مقدمتها العراق، إلى دراسة مشروع ضخم بقيمة 55 مليار دولار لإنشاء شبكة أنابيب نفطية تتجاوز مضيق هرمز، في خطوة تعكس رغبة متزايدة في تقليل الاعتماد على إيران وممراتها البحرية.
وتقوم الخطة على إنشاء خطي أنابيب يمتدان من جنوب العراق عبر الكويت والسعودية، وصولاً إلى موانئ على بحر العرب مثل ميناء الدقم وميناء صلالة في عُمان، ما يسمح بتصدير النفط مباشرة إلى الأسواق الآسيوية دون المرور عبر هرمز.
ويبرز العراق بوصفه قلب هذا المشروع، إذ أظهرت الأزمة الأخيرة أن اعتماد بغداد على مضيق هرمز يجعل اقتصادها رهينة للقرار الإيراني.
فمع إغلاق المضيق، تراجعت صادرات العراق النفطية بشكل حاد، وانخفض إنتاجه من 4.
2 ملايين برميل يومياً إلى نحو 1.
2 مليون فقط، ما دفع وكالات التصنيف إلى التحذير من مخاطر على الاقتصاد العراقي.
لكن المشروع لا يتعلق فقط بالنفط، بل يعكس أيضاً اتجاهاً عراقياً وعربياً أوسع نحو الاستقلال عن إيران.
فخلال الحرب الأخيرة، لم تكتفِ طهران بإغلاق مضيق هرمز أو التهديد بفرض رسوم على مرور السفن، بل وجهت صواريخ وطائرات مسيرة إلى دول عربية ومواقع حيوية وبنى تحتية في المنطقة، ما عزز القناعة بأن إيران لا تتعامل مع جيرانها كشركاء، بل كساحات تستخدمها لخدمة مصالحها.
وقد أثبتت الأزمة أن النظام الإيراني يضع بقاءه ونفوذه فوق أي اعتبار آخر، حتى لو كان الثمن إلحاق الضرر باقتصادات المنطقة والعالم، أو حتى بمعيشة الإيرانيين أنفسهم.
فإغلاق المضيق أدى إلى اضطراب كبير في التجارة والطاقة، ورفع أسعار النفط والشحن والتأمين، وفرض على الدول العربية والعالم كلفة باهظة بسبب سياسات طهران.
كما ألمح محللون إلى أن إيران كانت تسعى إلى استخدام المضيق كورقة ضغط وابتزاز سياسي، عبر فرض رسوم قد تصل إلى ملايين الدولارات على السفن العابرة.
ويرى كثيرون أن إنشاء خطوط أنابيب جديدة سيساعد الدول العربية على تحرير اقتصاداتها من هذا الابتزاز.
كما أنه سيمنح العراق، ودول الخليج الأخرى، قدرة أكبر على اتخاذ قراراتها الاقتصادية بعيداً عن الضغوط الإيرانية.
ومن المتوقع أن يؤدي المشروع، إذا نُفذ، إلى تعزيز الازدهار في المنطقة العربية، من خلال حماية صادرات النفط والغاز، وتنشيط الاستثمارات، وخلق فرص عمل جديدة، وربط اقتصادات المنطقة ببعضها بصورة أكبر.
كما سيساعد على تنشيط الموانئ والمناطق الصناعية على بحر العرب، ويجعل المنطقة أقل عرضة للصدمات الناتجة عن أي تصعيد جديد في مضيق هرمز.
ورغم أن تنفيذ المشروع قد يستغرق سنوات، فإن مجرد طرحه يعكس تغيراً كبيراً في التفكير الإقليمي.
فبعد سنوات من الاعتماد على مضيق يمكن لإيران تعطيله في أي لحظة، بدأت الدول العربية تبحث عن بدائل تضمن لها الأمن الاقتصادي والاستقلال السياسي.
وفي النهاية، تبدو الرسالة واضحة: لن تقبل دول المنطقة بعد اليوم أن يبقى اقتصادها ومستقبلها رهينة لسياسات إيران.
فالمشروع ليس مجرد أنابيب نفط، بل خطوة نحو شرق أوسط أكثر استقراراً وازدهاراً، لا يدفع العالم فيه ثمن قرارات نظام أثبت مراراً أن بقاءه يأتي قبل أي شيء آخر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك