عمان - شغفا بالتراث وحبا للفرح، قررت أسماء سمور، الباحثة في التراث الشعبي، أن تترجم ما تعلمته في صفحات كتابها" صوت الفرح"، ليكون المكان الذي تخلد به التراث وتنقله للأجيال القادمة.
اضافة اعلانسمور أحبت الفرح وسعت لنشره ليعم في كل مكان تكون فيه، ووجدت في الكتابة وتوثيق تراث الأجداد وأشكال الفرح التي تربينا عليها من" زغاريد ومهاهاة وأغاني فرح"، في كتاب" صوت الفرح"، الوسيلة الفضلى التي تنشره بها.
وفي حديث خاص مع" الغد"، تبين سمور أنها تعتبر كتاب" صوت الفرح" جزءا من معركة الهوية والصمود، كونه جمع التراث من أغان شعبية و" مهاهاة"، وهي" لون من ألوان الغناء الشعبي".
وتنوه إلى أن الهدف من كتابها هو إيصال رسالة تثبت وتجدد فيه تراثنا وتوثقه، " حتى لا يذوب مثل الملح في الماء"، بحسب وصفها، موضحة أنها أحبت أن تترك روحها خالدة في هذا الكتاب.
موروث من الأغاني الشعبية و" المهاهاة"وتشير سمور إلى أن الكتاب أخذ اسم" صوت الفرح"، لأنها دائما تقول" إن شاء الله بضل صوت الفرح بدياركم العامرة"، فعندما جمعت هذا الموروث من الأغاني الشعبية و" المهاهاة"، أحبت أن يبقى صوت الفرح حاضرا في بيوت كل الناس.
وتذكر سمور أنها أصدرت الكتاب في 29 أيار (مايو) 2025، موثقة ما بداخله من أفواه سيدات كبيرات في السن وليس من مراجع وكتب، وقد استغرق معها ثلاث سنوات حتى اكتمل جمعه.
وتوضح سمور أنها خلال هذه الفترة كانت تنشره عبر صفحاتها على منصات التواصل الاجتماعي على شكل مقاطع، وبدأت سيدات من فلسطين والأردن التعليق عليها، وأصبحت تأخذ من اللونين الأردني والفلسطيني، وتقول" الذي حدث أنني وجدت نفسي أمام نبع لا يتوقف، وشعرت أنه لا بد من توثيقه، فهذا واجبنا ودورنا".
تبويب الكتاب بحسب مراسم الزواجوتشير سمور إلى أن هناك نية لكتابة جزء ثان للكتاب، لأنه ما يزال هناك العديد من التراث الشعبي الذي تمتلكه سيدات ولم يتوثق بعد.
وهناك العديد من الناس الذين أحبوا اقتناء هذا الكتاب والتعلم والحفظ منه، بحسب سمور، إذ وصلتها رسائل من سيدات يخبرنها أنهن أخذن الكتاب وبدأن بحفظه لغناء ما فيه في أعراس الأقارب، وقد أصبح مرجعا لهن.
وتنوه سمور إلى أنه فيما مضى كانت كل سيدة تمتلك دفترها الخاص الذي تسجل وتكتب فيه الأغاني التي سمعتها من والدتها وجدتها، ولكنها فقدت مع الانشغال وعدم المحافظة، وهي بدورها جمعت قدر الإمكان من أفواه سيداتنا اللواتي هن مرجعنا، كما عرفت وحفظت أغاني جديدة.
كتاب" صوت الفرح" مبوب حسب ترتيب مراسم الزواج، بحسب سمور، من الطلبة إلى الخطبة وكتب الكتاب، الصمدة، سبع ليالي عرس تتخللها حنة العريس والعروس، ومن ثم الزفاف الذي تتخلله الزفة، صمدة العرسان والفاردة، بالإضافة إلى أنها ارتجلت" مهاهاة" لمناسبة النجاح والتخريج، مفسرة أنه فيما مضى لم تكن موجودة، فقد بحثت ولم تجد إلا القليل.
" المهاهاة" من فنون الأغاني الشعبية التراثيةوتذكر سمور أن الأغاني و" المهاهاة" تختلف من بلدة لأخرى باللكنة وبالصور الشعرية فيها حسب البيئة، مبينة أن المرأة سابقا كانت تستخدم هذا اللون الغنائي لتعبر عن مشاعرها بالتباهي أو الفرح أو المديح، فـ" المهاهاة" فن من فنون الأغاني الشعبية التراثية التي كانت في الأصل في بلاد الشام عامة، وليس فلسطين والأردن فقط.
وعلقت سمور في هذا الباب، بحسب قولها، لأنها كانت تدرس من أين تستوحي المرأة الصور الشعرية، ومن أين لها هذه القدرة على نظم الكلام على هذا الوزن والموسيقا في الكلمات والصور الشعرية بحيث تقوم بهذا الأمر، فكانت النساء فيما مضى شاعرات بالفطرة.
" المهاهاة" هي أداة نداء، بحسب سمور، وهي تؤدى بطريقة فردية، بمعنى أن تلقي صوتك عاليا حتى تلفت انتباه من حولك بالصوت الممدود بقول" اييها"، والجميع يذهب باتجاه هذا الصوت ليسمع ماذا ستقول.
وتغنى" المهاهاة" بأشطر تنتهي بقافية متبوعة باللفظ والوزن، ومنها ما يتكون من أربعة أشطر أو ستة أو عشرة، منوهة إلى أن هناك من يقول" اييها" و" هيهي"، وآخرون" يوواي" و" اييي"، وهذا الصوت يختلف في المط ومخارج الحروف بحسب البلدة والمنطقة.
الزغاريد والأغاني الحماسية بالمناسباتوتفسر أنها عندما تهاهي المرأة، تخرج الإحساس الذي تشعر به وتنقله إلى الطرف الآخر، وتبث شعور الفرح والحماس، وتظهر ملامح وجه مليئة بالفرح.
وتوضح سمور أن هذا الكلام يصدر من القلب، وهو نوع من أنواع المناجاة، كأنك تعبر عن فرحك بمناجاة تختص بها المرأة فقط، وأحيانا يحمل نوعا من الحكمة، وقد يقال بهذه الطريقة" مديح وشوق": " اييها هات القرنفل وبله وبالزعفران كله، واييها لو فلان معنا كان الفرح حلّه".
بمعنى أن تتحدث عن حقيقة الحياة بصوت أنثوي مثبت الإيقاع، تنقله في الفضاء بصوت يصل إلى مدى بعيد، حيث تمتلك هي قوة بالصوت.
وعادة ما تختم" المهاهاة" بزغرودة تشارك فيها جميع النساء الحاضرات، بحسب سمور، والزغرودة هي تحريك اللسان على الجانبين بشكل متتابع لإخراج صوت من البطن، وتستعين المرأة بيدها لتحريك الهواء وإطلاق هذه الزغرودة.
وتشير سمور إلى أنه يحكى أنه في فترة الجاهلية كانت النساء ترافق الرجال في ساحة المعركة، وكانت الزغاريد والأغاني الحماسية تثير الحماس لدى المحاربين مع قرع الطبول والدفوف.
وتذكر سمور أن حبها للتراث بدأ معها منذ الصغر، من خلال تأثرها بعائلتها والبيئة التي نشأت فيها، واكتسبت هذه الموهبة، فهي في الأصل من بلدة" يعبد" في قضاء جنين، وأهل جنين موصوفون بالبداوية و" يا حالالي ويا مالي"، كلون من ألوان الغناء الشعبي للرجال، وكانت تسمعه من والدها وأخواتها.
كما أن والدتها كانت تشارك في الأعراس، إذ كانت تمتلك صوتا جميلا لتغني و" تهاهي"، وكان هذا كله في مخزون ذاكرة الطفولة، فتأثرت به وأحبت الأعراس، وكبرت وتربت على هذه الأجواء، واليوم تعمل على نشرها.
بينما لقب" سيدة المهاهاة، وسفيرة المناسبات السعيدة"، أطلقه عليها محبوها ومتابعوها بعد نشرها التراث، إذ سموها حارسة التراث لأنها كانت تخرج على مدار 4 سنوات تتحدث عن التراث بشكل عام من أثواب وأطعمة وعادات وتقاليد وأغان شعبية، وتمتلك اليوم نحو نصف مليون متابع على جميع منصاتها" تيك توك"، " إنستغرام" و" فيسبوك".
وعندما أصبحت تشارك في الأعراس، أطلقوا عليها لقب" سفيرة المناسبات السعيدة"، منوهة إلى أنها بدأت المشاركة في الأعراس العام 2023، وما تزال تسعد بمشاركة الآخرين أفراحهم، وأن تكون جزءا من رسم الفرح على وجوه الجميع، وتضيف لمسة وروحا لحفلاتهم.
وتذكر سمور أن من إيجابيات جائحة كورونا أنها كانت المرحلة التي بدأت فيها الكتابة والتوثيق للتراث، إذ كانت مخرج الطوارئ الذي يرفع معنوياتها ومناعتها.
ووفق قولها، فإنها كانت تنشر فقط على منصاتها الخاصة، وتعيد نشر التراث، فهي لم تحيه، فهو حي لا يموت، وأن العام 2025 كان ذروة تفاعل الناس معها وطلبهم لها في الحفلات، كما انتشر فنها خارج الأردن، منها السعودية والإمارات.
وفي ختام حديثها، تؤكد سمور أنها تتمنى أن يدرس التراث وأن ينقل بطريقة أكاديمية، وأن تكون هناك جهات معنية لنشر التراث وتوثيقه ليتأثر به الجيل الجديد ويتناقله، وتقول" لازم يعرفوا هويتهم وتراثهم ويكون جزءا منهم".
وتتابع" أنا الله أعطاني الفرح لنشره"، مبينة أن كل إنسان يبحث لنفسه عن مخارج طوارئ ترفع معنوياته ومناعته ليكمل مشواره، فهي أكملت مشوارها مع الفرح، وتقول" أصبح الفرح حليفي وصديقي.
ومكملين في هذا الطريق".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك