الفوتوغرافيا تنقل الإنسان من حضوره الآني، المختزل في «اللقطة»، إلى كائنٍ تتكثف فيه البيئة، والذاكرة، وأنماط العيش، وتمثلات الثقافة.
فهي لا تُختزل في كونها فعلاً تقنياً يُعنى بأرشفت العالم، أو تجميله أو تثبيت لحظةٍ عابرة، وإنما تتجه إلى ما هو أبعد من ذلك؛ محاولةً لإيقاف ما يتسرب من المعنى قبل انمحائه.
إذ تغدو الصورة وثيقةً تتجاوز بعدها الجمالي، لتلامس «الأنثروبولوجيا البصرية»، حيث الإنسان حاملاً لطبقاتٍ من الذاكرة، وأنماط العيش، وتمظهرات الثقافة التي تتشكل عبر الزمن، ثم تتعرض، في لحظةٍ ما، إلى الانكماش تحت وطأة العولمة وتسارع التحولات.
وبين هذا التكون والتلاشي، تتدخل الفوتوغرافيا، بعدسة بعض المصورين البحرينيين، لتؤرشف ما لا يُؤرشف عادةً؛ التفاصيل اليومية، والإيماءات، والملبس، والزينة، والطقوس، والأمكنة.
في صورة المصور عيسى إبراهيم، نقف إزاء لحظةٍ تفيض بما هو أبعد من جماليتها المباشرة؛ إذ توثق الصورة لطريقةٍ تقليدية في صيد السمك ببعض مناطق الصين المحاذية لـ «نهر لي»، عبر الاستعانة بطائر الغاق، في ممارسةٍ تُعرف بـ «يين بو».
ولئن كان من الممكن القول إن هذه المشهدية قد تكون قد أُعيد إنتاجها اليوم ضمن سياقٍ سياحي، فإن ذلك لا ينزع عنها قيمتها التوثيقية، لأن ما تؤديه العدسة هنا ليس إثبات راهنية الممارسة بقدر ما هو تخليدٌ لها كأثراً ثقافياً مارسته جماعة بشرية، وتركته شاهداً على صلتها بالماء والرزق والطبيعة وأشكال التكيف معها.
وتبدو كثير من اشتغالات إبراهيم قريبةً مما تصطلح عليه الدراسات المعاصرة بـ«الأنثروبولوجيا البصرية»، حيث يلتقط الإنسان في بيئته، ككائنٍ منتجٍ لمعناه، ولممارساته، وخصوصيته الثقافية التي تأكلها العولمة شيئاً فشيئاً.
في صورة مصطفى المؤمن، التي تتوسطها فتاةٌ بزي أوزبكي تقليدي أمام عمارة سمرقندية إسلامية، نحن بإزاء مشهدٍ يذكرنا بأن الجمال لا يحتاج إلى انتماءٍ سابق كي يُدرك، فلا أحد يحتاج لأن يكون من أبناء تلك الثقافة حتى يندهش بجمال عمارتها، أو بتناغم زيها، أو بغنى ألوانها.
لكن الصورة، مع ذلك، تكشف عن التراكم الثقافي الذي صاغ هذه العمارة، وهذه الزخارف، وهذه الأزياء، عبر قرون من الامتزاج والتجاور والتطور.
وتبدو سمرقند، في هذه الصورة، كطبقة من التاريخ المتراكم، فيما تغدو الفتاة بزيها التقليدي امتداداً لهذا التراكم.
أما صورة حسن التانغو، فيتبدى وجهٌ آخر للصورة حين تذهب إلى الإنسان في شروطه القصوى؛ حين يُجرد من أشيائه، وتدفعه الصراعات والنزوح إلى أن يعود إلى الأصول الأولى للعيش.
ففي مثل هذه الأحوال، تكون الثقافة الشعبية معينٍ للبقاء، إذ تصير تلك المعارف البسيطة ممكناً للإنسان من تدبير يومه، وصنع طعامه، وتأمين سكنه المؤقت، وترويح نفسه، وإعادة ترميم ما تصدع منه.
ولعل ما تمنحه مثل هذه الصورة، أنها لا تنظر إلى الناس من جهة فاقتهم وحدها، وإنما من جهة قدرتهم على استدعاء ذاكرتهم الجمعية كلما انقطعت بهم الأسباب الحديثة، حيث تبرز خبرات الكبار، وتعود المعارف البسيطة، وتغدو الحكاية، واللعبة، وأشكال الاجتماع الصغيرة، جزءاً من اقتصاد النجاة.
يمكن أن نطلق على صورة نجاة الفرساني، «فتاة قبيلة الكارا» في إثيوبيا، توصيفاً يتجاوز بعدها البصري المباشر، حيث يتحول الجسد إلى نصٍ ثقافي؛ فالجلد، والخرز، والأصداف، والطباشير الأبيض المرسوم على الوجه.
علاماتٍ رمزية، تتيح مقاربة العلاقة المركبة بين الثقافة والبيولوجيا، وبين دلالات المكانة، والخصوبة، والجذب، وآليات التمييز داخل الجماعة.
وتأخذ الصورة بعداً أنثروبولوجياً، إذ تنقل نظاماً كاملاً من العلامات التي يتكلم بها الجسد داخل ثقافة بعينها، كما تشير، بشكلٍ غير مباشر، لأشكال العيش الأكثر التصاقاً بالبيئة، والأقل إضراراً بها، دون الوقوع في مثاليةٍ تمجد «البدائي» على إطلاقه، وإنما كتذكير بما تختزنه هذه المجتمعات من غنىً ثقافي يستحق أن يُرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك