يمثلالحمضالنووىالقديم (الـDNAالمستخرجمنبقايابشريةأثرية) أحدأهمالأدواتالحديثةلإعادةقراءةتاريخالإنسانوهجراته، إذيتيحتتبعأصولالشعوبوالعلاقاتبينهاعبرآلافالسنين، وتكشفالدراساتالجينيةالحديثةأنالحضارةالفرعونيةلمتكنمنعزلة، بلارتبطتعبرفتراتطويلةبشمالإفريقياوشرقهاالقديم، لاسيمامناطقبلادالشاموالأناضولوبلادالرافدين.
وفىهذاالسياقأجرتآخرساعةحوارًامععالمالجيناتالسكانيةالسويدىبونتوسسكوجلوندرئيسمختبرالجينومالقديمبمعهدفرانسيسكريكفىلندن، عقبنشرهمؤخرًادراسةفىمجلةNatureحولأصولالمصريينالقدماء، حيثأوضحأنالنتائجتشيرإلىوجوداستمراريةجينيةمعتقاربمبكرمعتلكالمناطق.
كيفبدأتهذهالدراسة، ولماذاكانفهمأصولالمصريينالقدماءصعبًاحتىالآن؟ـ تُظهر الدراسة المعنونة بـاالأصل الجينى الكامل لمصرى من المملكة القديمةب أن المجتمع المصرى القديم ازدهر لآلاف السنين، من بداية العصر الفرعونى وحتى نهايته (حوالى 3150-30 قبل الميلاد)، وهى الفترة التى بدأت فيها أول دولة مركزية فى مصر واستمرت حتى نهاية الحكم المصرى القديم قبل دخول العصر الرومانى.
ورغم هذا التاريخ الطويل، ظل فهم الأصول الوراثية للمصريين القدماء محدودًا، لأن الحمض النووى لا يبقى محفوظًا بسهولة فى بيئة وادى النيل الحارة والجافة، حيث يؤدى المناخ إلى تكسّر المادة الوراثية سريعًا، لذا لم يكن من الممكن فى السابق استخراج اجينوم كاملب (خريطة وراثية كاملة للفرد) بدقة عالية.
ماذادرستُمتحديدًافىهذهالحالة، وماالذىتماكتشافه؟ـ فى هذه الدراسة تم تحليل جينوم كامل لرجل بالغ تم اكتشاف رفاته فى موقع النويرات (منطقة تتبع محافظة سوهاج)، باستخدام تقنية تُسمى االتغطية المضاعفةب (2X)، وهى طريقة تسمح بقراءة الحمض النووى أكثر من مرة لضمان دقة النتائج، وتم تحديد عمره باستخدام الكربون المشع (تقنية علمية لقياس عمر المواد العضوية) واتضح أنه كان يعيش بين 2855 و2570 قبل الميلاد، أى بعد عدة قرون من توحيد مصر، فى مرحلة انتقالية بين بدايات الدولة الفرعونية وبداية المملكة القديمة، وقد دُفن هذا الرجل داخل إناء خزفى فى مقبرة منحوتة بالصخر، وهو ما ساعد على حفظ أجزاء من حمضه النووى بشكل أفضل من المعتاد.
وأظهرت النتائج أن أغلب أصوله الجينية تعود إلى سكان شمال إفريقيا القدماء فى العصر الحجرى الحديث (الفترة التى بدأ فيها الإنسان الزراعة والاستقرار)، لكن ما يلفت الانتباه أن نحو 20% من أصوله ترتبط بمناطق شرق الهلال الخصيب، وهو مصطلح جغرافى يشمل بلاد الشام وبلاد الرافدين (العراق حاليًا) والمناطق المحيطة بهما، حيث نشأت بعض أقدم الحضارات البشرية.
ماذاتعنىهذهالنتائجبشكلعاملفهمتاريخمصرالقديمة؟ـ تشير النتائج إلى أن التواصل بين مصر والمناطق المجاورة لم يكن مجرد تبادل سلع أو أفكار مثل الزراعة والكتابة، بل شمل أيضًا حركة بشر وهجرات بين هذه المناطق منذ فترات مبكرة جدًا.
ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذه النتائج تستند إلى فرد واحد فقط، بالتالى لا يمكن تعميمها على كل سكان مصر القديمة، بل تمثل بداية لرؤية علمية أوسع تحتاج إلى مزيد من العينات.
ماأبرزمالفتانتباهكأثناءالبحث؟ـ من أكثر الجوانب إثارة فى هذا المجال نجاح استخراج الحمض النووى نفسه، حيث إنه أمر صعب جدًا فى المناخ المصرى.
ورغم الظروف القاسية فإن بعض العينات ما تزال تحتفظ بمعلومات وراثية قابلة للتحليل، كما أظهرت البيانات نوعًا من االاستقرار الجينىب عبر فترات طويلة، أى أن البنية الوراثية الأساسية للسكان لم تتغير جذريًا رغم التحولات السياسية والثقافية الكبرى.
كيفتظهرمصرالقديمةفىعلاقتهامعالمناطقالأخرىوراثيًا؟ـ تشير البيانات إلى وجود تقارب جينى قديم بين المصريين القدماء وسكان مناطق الشرق الأدنى مثل بلاد الشام والأناضول، وهو ما يعكس وجود تواصل بشرى مبكر بين هذه المناطق خلال العصور القديمة.
كيفتصفنتائجالدراسةالبنيةالجينيةللمصريينالقدماءمقارنةبمناطقأخرى، وماحدودمايمكناستنتاجهمنها؟ـ توضح النتائج أن الجينات تضيف بُعدًا بيولوجيًا جديدًا للتاريخ دون أن تنفى الروايات التاريخية، فعلى سبيل المثال أظهرت لنا البيانات أن سكان مصر القديمة ظلوا لفترة طويلة متميزين وراثيًا مقارنة بسكان مناطق أخرى بعيدة فى أقصى جنوب إفريقيا، ولم نشهد زيادة فى الاختلاط إلا فى مراحل لاحقة، وهذا يتحدى فكرة السكان الساكنين (الاستاتيكيين)، ويرسم بدلًا من ذلك صورة لشعب حيوى وديناميكى عند ملتقى القارات.
ومع ذلك فإن هذه النتائج تعود لفرد واحد فقط، لذا فأنا حريص جدًا على العمل مع كبار العلماء المصريين، مثل الدكتور يحيى جاد أستاذ الوراثة الجزيئية بالمركز القومى للبحوث، لدراسة أفراد مجهولين مثل هذه الحالة بشكل أعمق.
كيفيبدوالمصريونالقدماءمقارنةبالمصرييناليوم؟ـ تشير النتائج إلى وجود خط عام من الاستمرارية الجينية بين المصريين القدماء والمعاصرين، لكن لفهم الصورة بدقة أكبر نحتاج إلى تحليل عدد أكبر بكثير من العينات عبر فترات زمنية مختلفة.
ماتأثيرالبيئةمثلالنيلعلىالسكان؟ـ يُعتقد أن نهر النيل لعب دورًا مهمًا فى تنظيم حركة السكان، حيث عمل كمسار رئيسى للحياة والاستقرار، لكنه فى الوقت نفسه قد يكون حدّ من التنقلات فى بعض المناطق.
ماأبرزالتحدياتالتقنيةفىهذاالنوعمنالأبحاث؟ـ أكبر تحدٍ تدهور الحمض النووى بسبب الحرارة والرطوبة، إضافة إلى التلوث الميكروبى فى المقابر، لذا تُستخدم مختبرات متخصصة اغرف نظيفةب وتقنيات دقيقة مثل ما يُعرف بـاتحضير مكتبة الحمض النووى أحادى السلسلةب، وهى طريقة تساعد على قراءة أجزاء صغيرة جدًا من المادة الوراثية بدقة عالية.
مااتجاهاتالبحثالمستقبلية؟ـ يعمل الفريق بالتعاون مع علماء فى مصر على توسيع نطاق الدراسات ليشمل فترات أقدم مثل ما قبل الأسرات، ومناطق مختلفة مثل صعيد مصر، كما يهتم الباحثون بدراسة تطور الأمراض إلى جانب تطور السكان باستخدام نفس تقنيات الجينات القديمة.
بماذاتنصحالجيلالجديدمنالباحثينالمصريين؟ـ إن مستقبل هذا المجال سيكون بيد العلماء المصريين الشباب، لذا أدعوهم إلى دراسة مجالات مثل علم الوراثة والأنثروبولوجيا الحيوية (دراسة الإنسان من منظور بيولوجى وأثرى)، ليكونوا جزءًا من كتابة الفصل القادم من تاريخ أجدادهم باستخدام أدوات العلم الحديث.
عالمجيناتسويدىيحاولفهمأصولالبشربونتوس سكوجلوند رئيس مجموعة مختبر علم الجينوم القديم فى معهد فرانسيس كريك بالمملكة المتحدة.
ركزت أبحاثه على تطوير مناهج جديدة لدفع مجال الحمض النووى القديم نحو العصر الجينومى.
حصل على درجة الدكتوراة فى علم الوراثة التطورية من جامعة أوبسالا عام 2013، ثم أجرى أبحاث ما بعد الدكتوراة فى كلية الطب بجامعة هارفارد.
كشفت أبحاثه للدكتوراة أن هجرات السكان كانت بمثابة محفزات للانتقال من أنماط حياة الصيد وجمع الثمار إلى الزراعة فى أوروبا، ثم وسّع نطاق هذا البحث ليشمل مناطق عالمية أخرى فى أبحاث ما بعد الدكتوراه.
فى عام 2018، أسس أول مختبر لتحليل الحمض النووى القديم عالى الإنتاجية فى المملكة المتحدة، وذلك فى معهد فرانسيس كريك.
واستخدم مختبره الحمض النووى القديم فى أبحاث رائدة كشفت عن أصل وتطور الكلاب وأسلافها البرية، وتطور البكتيريا والمناعة البشرية فى عصور ما قبل التاريخ.
يعمل باحثًا فى مؤسسة اويلكوم ترستب، وحائز على منحة بداية البحث من المجلس الأوروبى للبحوث، وباحث شاب فى منظمة البيولوجيا الجزيئية الأوروبية، وباحث فى مؤسسة فالى، ومرشح نهائى لجائزة بلافاتنيك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك