شغل مضيق هرمز العالم خلال الأسابيع المضاية.
المضيق الذي تمر عبره غالبية نسبة البترول المباع للعالم صار موضوع مانشيتات الصحف العالمية، تحكم إيران في المضيق بقوتها العسكرية صعب الأمور على أمريكا.
أدركت إيران مبكرا وخططت لمواجهة البحرية الأمريكية بجيش البعوض البحري، مراكب ليست كبيرة تتحرك في المناطق الضيقة في الخليح العربي ويمكنها المناورة بسهولة صارت عماد البحرية الإيرانية بعدما استهدفت أمريكا القطع الإيرانية الكبيرة.
إيران خزنت تلك المراكب الصغيرة في جيوب صخرية محفورة على الجانب الشرقي من الخليج تخرج في أعداد كبيرة وسرعة كبيرة لتلدغ السفن الكبيرة وتعود مسرعة.
هرمز صار أيقونة للكوميديا المصرية اللاذعة، استدعى المصريون شخصية الفنان علي الكسار من فيلم علي بابا ورددوا مقولته: افتح يا سمسم، حورها المصريون لتصبح: افتح يا هرمز، والان ربما يقولون: اقفل يا هرمز.
بناء على مفاوضات إسلام أباد بين أمريكا وإيران، فتحت إيران مضيق هرمز وتنفس العالم الصعداء لكنه عادت مسرعة لتغلقه مرة أخرى لأن أمريكا لم ترفع حصارها عن السواحل الإيرانية ليعود العالم إلى حبس أنفاسه مرة أخرى، ولا يعلم أحد متى سيتم فتح هرمز لتخفيف أزمة الطاقة.
لم يعد هرمز مجرد معبر للسفن، أصبح ساحة لاختبار الإرادات وقياس الأعصاب بين قطبين لا يرغبان في الحرب لكنهما لا يستطيعان الفرار من حتميتها.
تنفس العالم الصعداء حين فتحت إيران المضيق أول مرة ظنا منه أن الكابوس انتهى وأن العبور عاد إلى طبيعته لكن طهران التي كانت تراقب البحر عن كثب لم تجد من واشنطن إلا إصرارا أعمى على الحصار البحري فعادت لترد على العقوبات بأقوى أوراقها أعادت إغلاق هرمز وبهذا فعلت شيئا لم تكن أمريكا تتوقعه تماما لقد حولت إيران الحصار الأمريكي من سلاح يخنقها إلى سلاح تخنق به العالم كله، يجري ذلك بينما أمريكا تحشد أكبر قوة بحرية لها ضد إيران تشمل أربعة حاملات طائرات عليها ما يقرب من مائة طائرة، بخلاف المروحيات والاستطلاع وغير ذلك.
طهران لم تفعل ذلك بدافع الانفعال بل بخطة محسوبة بدقة متناهية، خزنت بترولا يكفيها لأكثر من مائة يوم وتأهبت لتحمل حصار يصل إلى ثلاثة أشهر أو أكثر بينما العالم الخارجي يعتمد على نعمة تتدفق عبر أهم شريان بترولي.
صار الوقود سلاحا إيرانيا بامتياز وصارت صواريخها المنتشرة على الجزر في الخليج أقرب إلى خط المواجهة من أي وقت مضى.
طهران ذهبت إلى أبعد من ذلك حين فتحت طريقا بريا بحريا عبر بحر قزوين متجهة إلى روسيا التي مدت يدها لتحول هذا البحر المغلق إلى ممر استراتيجي يصل إيران بأوروبا من بوابة موسكو إنه شريان جديد لا تستطيع السفن الحربية الأمريكية أن تغلقه لأنه بعيد عن نطاق أساطيلها في الخليج العربي وبحر العرب وهنا تكمن المفارقة فبينما تحاول أمريكا خنق إيران تجد إيران تفتح مساراً للتنفس من الشمال تحت أنف الحلفاء الأوروبيين الذين يئنون أصلاً من ارتفاع الأسعارأما المفاوضات حول الملف النووي فهي الحلقة الأكثر تعقيدا في هذه المعادلة فإيران ترفض الشروط الأمريكية المتعلقة بالتخصيب وبالقنبلة وبكل بنود التفاوض التي تجعلها تتراجع خطوة إلى الوراء، إيران تشترط رفع الحصار أولاً ثم الجلوس إلى الطاولة أمريكا تشترط التفاوض أولاً على برنامجها ثم تخفيف الحصار وهنا يصطدم منطق القوة بمنطق الصمود ولا أحد يريد أن يكون أول من يصرخ.
مع عودة إغلاق المضيق مجددا تتساءل واشنطن كيف ترد دون أن تبدو ضعيفة، لقد أهان هذا التوقيت الجيش الأمريكي عن قصد أو عن غير قصد فالقوة العظمى التي اعتادت أن تحدث الأزمات متى شاءت تجد نفسها اليوم أمام حقيقة مرة، لا تستطيع تحريك أسطولها الضخم دون إشعال المنطقة بأكملها ولا تستطيع ترك المضيق مغلقا دون أن تنهار أسعار الوقود في العالم ويشتعل الشارع الأوروبي غضبا.
أمريكا أمام خيارين لا ثالث لهما إما الحرب التي لا تطيقها في عام انتخابي وإما التراجع الذي لا يليق بهيبتها، لذا تراوح مكانها، تهدد تارة وتتظاهر بالصبر تارة أخرى بينما إيران تواصل شد الحبل بثبات قاتل، تعرف أنها في موقع المدافع وأنها إذا صمدت شهرا أو اثنين فسيأتي اليوم الذي ترفع فيه العقوبات ولو على مضض من الجميع.
من سيصرخ أولا هل تنهار الأعصاب في طهران بعد أن تنفد احتياطياتها من الغذاء والدواء؟ أم تنهار الأسواق في الغرب وتضطر إدارة البيت الأبيض إلى الجلوس على طاولة المفاوضات؟اختبار لي الذراع في مياه هرمز لا يشبه أي مواجهة سابقة إنه حرب باردة جديدة لكنها ساخنة بما يكفي لتجعل العالم يترقب كل صباح إن كان سيأتي بالنفط أم بالنار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك