تأجيل الحياة مؤقتا هو شعور غريب قد يفاجئنا دون إذن للدخول، وكم من المرات نسمعها من حولنا، وبذلك نؤكد لأنفسنا أننا لسنا وحدنا ممن يعاني من المزاج السيئ وغير المريح، حيث يلعب ذلك المزاج دورا كبيرا لما نقوم به في الحياة، وهو لا يتعلق بالقرارات فقط، بل في تفاصيلها الصغيرة دون أخذ حقها.
مثل فكرة نكررها أو اتصالٍ نؤجله، حيث إن التأجيل لا يجمدها كما هي، بل يغيرها ببطء، فالأفكار التي كانت واضحة تتراجع، والرغبات التي كانت حاضرة تفقد حدتها ونراها غير مهمة ومؤجلة إلى الدرجة التي تصعب العودة إليها بنفس المشاعر، فالفرص قد تضيع فجأة والبعض يختفي في هدوء، ليس لأننا غير قادرين على تنفيذها، بل لأننا نعتقد أننا سنفعل ذلك لاحقا!فتغيير المزاج لا يأتي فجأة، بل هو نتيجة لتراكمات مع الوقت تظهر فجأة على شكل شعور عام يصعب تفسيره بكلماتٍ محددة، وهو انعكاسٌ طبيعي للتوترات التي يعاني منها الإنسان.
وقد يمر شخصان بنفس الظروف الضاغطة ومع ذلك نرى أن تأثيره يختلف بدرجة كبيرة بين الاثنين، بسبب ما يختزن في ذاكرة كليهما مع مردود أفعالهما النفسية لكل حدث.
كما تضيف لنا الحياة اليومية بكل تفاصيلها من ضغوطات العمل والمسؤوليات على أوضاعنا الحالية، ومحاولة التوازن بين الحاضر والمستقبل والاستقرار السياسي في البلاد، أو وجود الحروب والهجمات، هذا مع العلاقات الأسرية التي قد تكون من أشد العوامل التي تؤدي إلى استهلاك الطاقة النفسية والتي يصعب تفسيرها لدى الفرد، والتي إذا أصابها التوتر قد تزيد من انحدار المزاج، خلافا لما إذا كانت أكثر استقراراً لوجود شخصٍ دائم وبيئة عائلية مساندة تهدئ الأحوال، والكثير من الضغوطات، والتي يكون لها الأثر الأكبر من تحسين المزاج.
كما هناك العامل الجسدي والعضوي بسبب الاختلال الذي بدأ في توازن الهرمونات والتي لها أكبر الأثر، خصوصا عند النساء، والتي تبدأ من أيام المراهقة مرورا بسنوات الإنجاب وما بعدها من حوارات التقدم في السن وقد تختلف النساء في شدة الاحتقان والمعاناة مع التقدم بالعمر في هذه المرحلة والشعور بالتعب أو الشعور بالأوجاع المتفرقة في الجسم أو بالحرارة أو البرودة غير المبررة بسبب التوتر الملازم لها مع اختلال الهرمونات صعودا وهبوطا في تلك السنوات الحرجة، وأن هذه العلامات تتأثر بالحالة النفسية التي تمر بها، وإذا ما كانت لديها مشكلات حادة في الناحية العملية أو عدم وجود رؤية واضحة في حياتها من الناحية العائلية وإذا ما كانت على خلافٍ مع الزوج أو في حالات الانفصال! أو مع الأطفال حينما يبلغون، بالإضافة إلى شؤون الحياة المختلفة، كما أن التذبذب في توازن الهرمونات يصيب الرجال أيضا في المراحل المختلفة من العمر، ولكنه يكون أقل حدة من مشاكل النساء عموما، ويتعلق أيضا بمشكلات الرجل في عمله والحياة العائلية إلى حدٍ كبير.
وقد يتأثر المزاج أيضا ويتعكر بشدة إذا ما مرضنا مع الآلام بسبب الإصابة بأحد الأمراض العضوية المنتشرة هذه الأيام، والتي قد تظهر من التأثيرات السلبية الكثير.
وفي لحظاتٍ معينة من الضعف الإنساني قد يلجأ البعض للبحث عن حلول مؤقتة وليست جذرية لتحسين المزاج مثل البدء بالتدخين أو زيادة الجرعة، أو الكحوليات والمخدرات محاولا الهروب مما يعانيه من حال، وهذه الوسائل قد تعطيه بعضا من الهدوء والارتخاء المؤقت، ولكنها لا تعالج السبب الحقيقي وراء ذلك المزاج الكئيب، وهذه المواد قد تسيء إلى الوظائف الحيوية لعقله وجسده، ومع تناولها المتكرر الذي قد يصبح يوميا يجد نفسه متعلقا بها مع ازدياد حاجته للجرعات التي اعتاد عليها وبأنها الشيء الوحيد الذي يعيد إليه توازنه الطبيعي، وقد تبدأ الأمراض العضوية في مهاجمته مثل تليف الكبد والتهاب الرئتين، والكثير غيرها بسبب التأثيرات الضارة لتلك المواد، إضافة إلى إصابته بالإدمان وفقدان السيطرة على تصرفاته سلبا!وفي الختام وبعد كل هذه المحاولات لتحليل أسباب الشعور بذلك المزاج غير المريح أرى أن الحل هو متابعة الإنسان ما يدور حوله من الأمور المقلقة وتصحيحها إن أمكنه ذلك، والتواصل مع الحياة بالمزيد من القراءة والبحث في ما يعانيه وممارسة الأنشطة الرياضية والاجتماعية، وإذا لم ينجح في ذلك لابد من اللجوء إلى الأطباء ذوي الاختصاص لمساعدته في إيجاد السبل للتحسين من جودة الحياة، وكل ما ذكرته من وسائل لتحسين المزاج يعتمد أساسا على قوة العزيمة والإرادة الحقيقية لزيادة الخبرة والنضج للإنسان ولتقويته في مجابهة وتصحيح معاناته في الحياة.
*طبيبة وكاتبة ونحاتة تشكيلية بحرينية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك