وسط ضغوط متزايدة على منظومة الطاقة العالمية، وارتفاع غير مسبوق في تكلفة الوقود التقليدي، تتقدم محطات الطاقة الشمسية المنزلية في مصر من مجرد خيار بديل إلى أداة استراتيجية تعيد تشكيل طريقة استهلاك الكهرباء، بل وتحول المواطن من مستهلك فقط إلى منتج للطاقة، في معادلة جديدة تسعى الدولة إلى ترسيخها لتخفيف العبء عن الشبكة القومية وتقليص الاعتماد على الغاز الطبيعي.
وتعمل الحكومة المصرية على دفع هذا التحول عبر التوسع في نظم الطاقة الشمسية اللامركزية، وفي مقدمتها المحطات المثبتة أعلى أسطح المنازل، باعتبارها أحد المسارات العملية لمواجهة تداعيات الأزمة العالمية التي طالت جميع موارد الطاقة، لا سيما الغاز الطبيعي، الذي تضطر الدولة إلى استيراد نحو ملياري قدم مكعبة يومياً خلال فصل الشتاء، ترتفع إلى ثلاثة مليارات قدم مكعبة يومياً في الصيف.
مصر تخطط لخفض فاتورة استيراد القمح 5% بنهاية العام بدعم من الإنتاج المحليويأتي هذا التوجه في إطار استراتيجية أوسع لتنويع مزيج الطاقة وتعزيز مساهمة المصادر المتجددة، بما يدعم الاستدامة المالية والبيئية، ويقلل من مخاطر تقلبات الأسواق العالمية، خاصة بعد قرار الحكومة المصرية في أبريل الجاري بزيادة أسعار الكهرباء على الشرائح التي يبدأ استهلاكها من 2000 كيلووات/ساعة شهرياً، بمتوسط زيادة بلغ نحو 16%.
نمو سريع للألواح فوق الأسطحوتشير بيانات وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة إلى قفزة لافتة في الاعتماد على الطاقة الشمسية المنزلية، إذ ارتفع إنتاج مصر من الكهرباء المولدة من محطات الطاقة الشمسية أعلى أسطح المنازل بنسبة 31.
1% خلال العام المالي 2024-2025 مقارنة بالعام السابق، من خلال تنفيذ 2965 محطة شمسية بقدرات إجمالية بلغت نحو 329.
89 ميغاوات، في مؤشر واضح على تنامي الطلب على هذا النمط من الحلول النظيفة.
من الاستهلاك إلى الإنتاج.
كيف تبدأ الرحلة؟رحلة إنشاء محطة شمسية منزلية تبدأ، وفق الخبراء، بتقييم دقيق لنمط الاستهلاك الكهربائي للأسرة أو المنشأة، بهدف تحديد القدرة المناسبة للمحطة وفق متوسط الأحمال الشهرية.
بعدها، يتم التعاقد مع شركة متخصصة ومعتمدة من هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، لتتولى مهام متكاملة تشمل إعداد الدراسات الفنية والهندسية، واستيفاء الاشتراطات التنظيمية، والتنسيق مع شركة توزيع الكهرباء المختصة لإتمام إجراءات الربط على الشبكة القومية.
وفي هذا السياق، يؤكد رئيس جهاز تنظيم مرفق الكهرباء الأسبق، حافظ السلماوي، في حديثه إلى" العربية Business"، أن نظام" صافي القياس" يعد الآلية التنظيمية الأبرز المعمول بها حالياً في مصر، إذ يسمح بخصم الكهرباء المولدة من الطاقة الشمسية والمصدرة إلى الشبكة من إجمالي الاستهلاك، بما يحقق عائداً اقتصادياً مباشراً للمستخدم.
ويلفت السلماوي إلى أن هناك نماذج أخرى سبق السماح بها، مثل نظام" الطرف الثالث"، الذي يتولى بموجبه مستثمر بيع الكهرباء المنتجة بشكل مباشر لصاحب العقار، قبل أن يتوقف العمل به لاحقاً، إضافة إلى نظام" اتحاد الملاك" الذي يتيح إنشاء محطة شمسية تخدم عدداً كبيراً من الوحدات داخل الأبراج السكنية.
وأشار إلى أن الكتاب الدوري الصادر في عام 2026 ألزم الشركات المنفذة بتوقيع عقد تشغيل وصيانة مع مالك المشروع، وتقديم بيانات الإنتاج إلى شركة التوزيع التابعة لوزارة الكهرباء، مع الالتزام بنسبة مكون محلي لا تقل عن 25% تشمل الكابلات والهياكل.
وتتمثل الخطوات الأساسية لإنشاء المحطات الشمسية أعلى المنشآت في تقييم احتياجات الكهرباء، والتأكد من أن سطح المنزل مكشوف ويتلقى ضوء الشمس المباشر، والحصول على تصريح الإنشاء، واختيار النظام الشمسي الأنسب، ثم شراء الألواح والهياكل والبطاريات الملائمة، يليها التركيب والتوصيل بالشبكة، وتركيب عداد خاص بنظام صافي القياس، وصولاً إلى الصيانة الدورية لضمان كفاءة التشغيل.
تكلفة الاستثمار.
وأين تقف الجدوى؟وبحسب السلماوي، تتراوح تكلفة الكيلووات الواحد من القدرة المركبة للمحطات الشمسية المنزلية في مصر بين 25 ألف جنيه للمحطات الأكبر و30 ألف جنيه للمحطات الأقل قدرة، ما يعني أن محطة بقدرة 5 كيلووات – وهي مناسبة لقطاع واسع من الوحدات السكنية – تحتاج إلى استثمار يقارب 150 ألف جنيه، وتنتج ما بين 700 و800 كيلووات/ساعة شهرياً، وهي كمية كافية لتغطية نسبة كبيرة من استهلاك الأسر متوسطة الأحمال.
أما الفيلات أو الأنشطة التجارية، فتتجه إلى قدرات أعلى قد تصل إلى 10 كيلووات أو أكثر، بتكلفة استثمارية تدور حول 250 ألف جنيه، بما يعزز جدوى المشروع على المدى الطويل.
ورغم حاجة السوق إلى مزيد من الدعم، يرى الخبراء أن البيئة التنظيمية والتمويلية باتت أكثر ملاءمة لنمو هذا القطاع، خاصة مع وجود حزم تمويلية تقدمها بعض البنوك، وإن كانت تحتاج إلى شروط أكثر تيسيراً وفوائد أقل، إلى جانب إعفاءات نسبية على بعض مكونات المنظومات الشمسية، واستقرار تشريعي يوفره نظام صافي القياس.
ومن الناحية الاقتصادية، يحقق الاستثمار في الطاقة الشمسية المنزلية وفورات كبيرة للمستهلك، إذ يمكن خفض فاتورة الكهرباء بنسب تصل إلى 70% أو حتى 100% في بعض الحالات، مع فترة استرداد تتراوح بين 4 و5 سنوات، وعمر تشغيلي يتجاوز 20 عاماً، وفق أستاذ هندسة الطاقة بجامعة فاروس، رمضان أبو العلا، في حديثه ل" العربية Business".
وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، يسهم التوسع في هذه المحطات في تخفيف الضغط عن الشبكة القومية وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، إذ يوفر كل 5 كيلووات ساعة من الكهرباء المنتجة طاقة تعادل استهلاك متر مكعب من الغاز الطبيعي، بحسب حافظ السلماوي، فضلاً عن خفض فاقد النقل والتوزيع الذي يبلغ نحو 20% في الكهرباء القادمة من الشبكة التقليدية.
توفير شهري وعائد استثماريبدوره، يؤكد العضو المنتدب لشركة" كايرو سولار"، حاتم توفيق، في تصريح ل" العربية Business"، أن تركيب محطة شمسية صغيرة على سطح المنزل يمكن أن يوفر نحو 3000 جنيه شهرياً، ما يجعلها خياراً اقتصادياً جاذباً لعدد متزايد من الأسر.
ويضيف أن العائد الاستثماري لمشروعات الطاقة الشمسية المنزلية يقدر في الظروف المثالية بنحو 20%، فيما يبلغ حالياً قرابة 15%، وهو معدل يظل تنافسياً مقارنة بالعديد من البدائل الاستثمارية الأخرى، مشيراً إلى أن بعض المستخدمين نجحوا في خفض فواتير الكهرباء إلى مستويات رمزية، لافتاً إلى أن فاتورته الشخصية خلال فصل الشتاء لا تتجاوز 9 جنيهات فقط.
وبين الجدوى المالية للمستهلك، والكفاءة الاستراتيجية للدولة، تبدو محطات الطاقة الشمسية فوق الأسطح واحدة من أهم أدوات التحول في سوق الطاقة المصري، في وقت تتجه فيه خريطة الطاقة العالمية بوتيرة متسارعة نحو الاعتماد على المصادر المتجددة وتكلفة أقل وموارد محلية أكثر استدامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك