بعد عقود من الهجرة الداخلية الواسعة، بدأت ملامح تحول لافتة في سوق العمل الصيني، مع عودة أعداد متزايدة من العمال المهاجرين إلى مناطقهم الريفية، في ظل تباطؤ الطلب المحلي وتراجع فرص العمل المجزية في المدن الكبرى.
هذا الاتجاه بات يثير قلق صانعي السياسات، الذين يخشون من آثار اجتماعية واقتصادية لما يصفونه بالعودة واسعة النطاق إلى الأقاليم الداخلية.
لطالما شكل تدفق مئات الملايين من سكان الريف إلى المصانع وورش البناء في مدن الساحل الشرقي والجنوب المزدهرة ركيزة أساسية لنمو الاقتصاد الصيني.
غير أن هذا الزخم بدأ يخفت مع استمرار الركود في قطاعي العقارات والإنشاءات، والتحول الهيكلي نحو صناعات أقل اعتماداً على العمالة.
وفي مقاطعة لونغوي بوسط هونان، قال مسؤول في وكالة عمل حكومية إن عدد الوظائف المعروضة تراجع منذ عام 2023، في مقابل ارتفاع متواصل في أعداد الباحثين عن عمل.
وأضاف لصحيفة" فاينانشال تايمز" أن كل قرية تقريباً بات فيها عمال عالقون بلا وظائف مستقرة، محذراً من أن هذا الوضع لا يخدم الاستقرار الاجتماعي.
تعكس المخاوف قلقاً متزايداً لدى الحزب الشيوعي الحاكم، إذ خصصت وزارة الزراعة والشؤون الريفية مؤتمراً في نوفمبر الماضي لمناقشة البطالة، محذرة بشكل خاص من بقاء العمال أو عودتهم بأعداد كبيرة إلى الريف.
ورغم غياب بيانات رسمية سنوية عن حجم العائدين، يرجح محللون أن وتيرة العودة تسارعت أخيراً.
وأشارت المحللة في مؤسسة" غافيكال دراغونوميكس"، إرنان كوي، إلى أن دوافع العودة تغيرت.
فخلال جائحة" كوفيد-19" كان الإغلاق هو السبب، أما اليوم فالعمال يعودون لأنهم فقدوا وظائفهم، في وقت تعاني فيه أسواق العمل المحلية من التشبع وعدم القدرة على استيعاب المزيد.
ورداً على ذلك، أصدرت الحكومة إرشادات تهدف إلى خلق وظائف إضافية للعمال المهاجرين، من بينها دعم تكاليف التنقل بين المقاطعات.
إلا أن فعالية هذه الإجراءات تبدو محدودة، في ظل تراجع الجاذبية الاقتصادية للمناطق الأكثر ثراءً.
ومع وجود نحو 300 مليون عامل مهاجر في الصين، يعمل عدد متزايد منهم داخل مقاطعاتهم الأصلية، بعدما انخفضت حركة التنقل بين الأقاليم بشكل متواصل منذ 2015.
وعلى الرغم من أن الأجور في المدن الكبرى لا تزال أعلى، فإن نموها بات أبطأ من أجور من بقوا داخل مقاطعاتهم خلال عام 2024.
وتوضح جيني تشان، الباحثة في جامعة هونغ كونغ بوليتكنيك، أن كثيراً من العمال، لا سيما الأكبر سناً، يجدون أنفسهم خارج معادلة سوق العمل مع تطور الصناعات واحتياجها إلى مهارات جديدة، فضلاً عن الضغوط التي لحقت بالصناعات كثيفة العمالة نتيجة التوترات التجارية بين واشنطن وبكين.
ونتيجة لذلك، يعود بعضهم إلى الزراعة أو يعتمد على أعمال متفرقة لتأمين دخل محدود.
وفي زيارة ميدانية أواخر مارس إلى لونغوي، بدا المشهد مختلفاً عن السنوات السابقة.
فعلى غير العادة، ظل عدد كبير من العمال المهاجرين، خاصة في أواخر الأربعينيات والخمسينيات، في قراهم بعد أسابيع من انتهاء عطلة رأس السنة القمرية.
قال وانغ، وهو عامل بناء في الخمسين من عمره عمل طويلاً في مقاطعة غوانغدونغ، إنه لم يعد هناك استعجال للعودة.
فبعدما كان دخله الشهري يصل إلى 15 أو 16 ألف يوان في سنوات الرواج، بات لا يتجاوز اليوم 7 إلى 8 آلاف يوان، ما دفعه للبقاء في هونان والاعتماد على أعمال مؤقتة.
ويؤكد مسؤول التوظيف المحلي أن مصانع الأحذية الرياضية في المقاطعة لم تعد توظف سوى 200 إلى 300 عامل، مقارنة بنحو ثلاثة آلاف في ذروتها، نتيجة تراجع الطلب المرتبط بالنزاع التجاري الأميركي-الصيني.
كما يروي عامل تبليط رخام، يبلغ 35 عاماً، أن مشروعه في مدينة دونغقوان الصناعية توقف لأشهر، ما أجبره على البحث عن عمل محلي بأجر لا يتجاوز ربع ما كان يتقاضاه في المدينة.
وقال" مهما كان الأجر، سأقبله".
ورغم ذلك، ترى كوي أن الاقتصادات المحلية غير قادرة على استيعاب العائدين، ما يجعل المدن، نظرياً، الخيار الأفضل، إلا أن واقع أسواق العمل الحضرية يزداد صعوبة.
فالتوظيف الصافي يتراجع في قطاعات البناء والتصنيع والخدمات، بينما تتركز الوظائف الجديدة بشكل متزايد في مجالات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ما يخلق فجوة هيكلية بين المهارات المطلوبة وتلك المتوافرة لدى العمال المتضررين.
بالنسبة لتشن، وهو عامل سابق في الستين من عمره من لونغوي، فإن العودة إلى هونان باتت واقعاً دائماً.
ففرص العمل في قوانغتشو، بأجر لا يقل عن 5 آلاف يوان مع السكن والطعام، أصبحت نادرة لمن هم في سنه.
ويختصر موقفه بعبارة بسيطة: " إذا استطعت أن تؤمن كلفة طعامك في البيت، فهذا يكفي".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك