طرابلس – «القدس العربي»: جاءت مشاركة رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة في منتدى أنطاليا الدبلوماسي 2026، المنعقد في أنطاليا بدعوة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لتؤكد عودة الزخم إلى الحضور الليبي في المحافل الدولية، ليس فقط من باب التمثيل، بل من زاوية المبادرة وإعادة التموضع في شبكة العلاقات الإقليمية والدولية.
وعلى هامش المنتدى، خاض الدبيبة سلسلة لقاءات ثنائية عكست تنوع الملفات المطروحة، بدءًا من القضايا الاقتصادية المرتبطة بأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، وصولًا إلى التعقيدات السياسية والأمنية داخل ليبيا.
ففي لقائه مع رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، جرى التركيز على انعكاسات التوترات الإقليمية على استقرار الأسواق، حيث شدد الدبيبة على أهمية الحفاظ على انسياب الإمدادات باعتبارها ركيزة للاستقرار الاقتصادي، ليس فقط لليبيا، بل للمنطقة بأسرها.
هذا الربط بين الاقتصاد والسياسة لم يكن معزولًا عن بقية اللقاءات، إذ ناقش الدبيبة مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي سبل تعزيز التعاون الثنائي والتنسيق الإقليمي، في ظل تحديات مشتركة تتطلب مقاربة جماعية، خاصة ما يتعلق بملفات الأمن والاستقرار.
كما امتد النقاش ليشمل الأبعاد الدولية، من خلال لقاءات مع مسؤولين أمميين، من بينهم روزماري ديكارلو وهانا تيتيه، حيث تم التأكيد على ضرورة إنهاء المراحل الانتقالية والحفاظ على وحدة المؤسسات.
ويبرز في هذا السياق اتفاق الإنفاق المالي الموحد، الذي حظي بإشادة واسعة خلال هذه اللقاءات، باعتباره خطوة عملية لكسر حالة الانقسام المالي التي استمرت أكثر من عقد.
وقد اعتُبر هذا الاتفاق مؤشرًا على إمكانية تحقيق تقدم ملموس في الملفات المعقدة، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والدعم الفني الدولي، خاصة مع إشادة الدبيبة بالدور الذي لعبته وزارة الخزانة الأمريكية في دعم هذا المسار.
وفي موازاة المسار الاقتصادي، احتل الملف الأمني والعسكري حيزًا مهمًا من النقاشات، خصوصًا في ظل انطلاق تمرين فلينتلوك 2026 في مدينة سرت، بمشاركة قوات من مختلف الأطراف الليبية.
وفي هذا الإطار، ناقش الدبيبة مع مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس سبل البناء على هذه الخطوة، بما يدعم توحيد المؤسسات العسكرية ويفتح الطريق أمام إجراء الانتخابات.
كما أكدت واشنطن، وفق تصريحات بولس، رغبتها في رؤية ليبيا مستقرة وموحدة، قادرة على التركيز على التنمية الاقتصادية بدل الانخراط في صراعات داخلية.
هذا التوجه الدولي نحو دعم الاستقرار الليبي تزامن مع حراك موازٍ تقوده مؤسسات إقليمية، حيث أكد أمين عام جامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، خلال لقائه رئيس مجلس الدولة محمد تكالة، استعداد الجامعة لدعم مسار توحيد المؤسسة العسكرية والوصول إلى الانتخابات.
وشدد أبو الغيط على أن الحل يجب أن يكون ليبيًا بالدرجة الأولى، مدعومًا برعاية أممية وعربية، في إشارة إلى أهمية التوازن بين الداخل والخارج في إدارة الأزمة.
في المقابل، تتواصل الجهود الأممية على المسار الأمني، حيث تعمل البعثة الدولية على دفع الحوار نحو صياغة أطر عملية لتوحيد المؤسسة العسكرية على أسس مهنية.
وقد أكدت المسؤولة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاءاتها مع القيادات العسكرية في شرق البلاد، أن التقدم في هذا المسار يمثل حجر الأساس لأي استقرار دائم، خاصة في ظل الحاجة إلى مؤسسات موحدة وخاضعة للمساءلة.
ولا يمكن فصل هذه التحركات عن السياق الدولي الأوسع، حيث تشير تقارير غربية إلى أن المناورات العسكرية والتقارب بين الأطراف الليبية يحظيان بدعم أمريكي وأوروبي، في إطار سعي للحد من النفوذ الروسي في البلاد.
في المجمل، تعكس تحركات الدبيبة في أنطاليا محاولة لإعادة صياغة موقع ليبيا في المعادلة الإقليمية والدولية، عبر الجمع بين المسارات الاقتصادية والسياسية والأمنية ضمن رؤية واحدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك