منذ الدقائق الأولى بدا واضحًا أن ريان شرقي جاء ليلعب كرة القدم التي نحبها، لم يكن مجرد لاعب ينفذ تعليمات مدربه بل كان فنانًا يرتجل الحلول في مساحات ضيقة للغاية.
الهدف الذي سجله في الشوط الأول لم يكن مجرد إضافة رقمية للنتيجة بل كان انفجارًا من الجمال الفني، حيث راوغ أربعة مدافعين وكأنهم أشباح لا وجود لها.
لقد انتفضت الجماهير لهذا الهدف أكثر مما فعلت مع أي لحظة أخرى في المباراة لأنها رأت فيه تلك الموهبة الفطرية التي تفتقدها الملاعب حاليًّا.
لقد صدق محمد أبو تريكة حين صرح في الاستوديو التحليلي قائلًا: " هو أمتع ثاني لاعب في العالم بعد لامين يامال"، فهؤلاء هم القلة الباقية من سلالة المبدعين الذين يمتعوننا دون اشتراط التسجيل أو الصناعة.
على الجانب الآخر كان إيرلينج هالاند يجسد صورة اللاعب الماكينة الذي لا يهدأ، ورغم أنه سجل هدف التقدم والفوز الثمين إلا أن صورته في الذاكرة لم تكن متعلقة بتلك التسديدة بل بمعاركه البدنية الطاحنة المتكررة مع المدافع جابرييل.
لقد تحولت المباراة إلى اشتباكات مستمرة تحت أنظار الحكم الذي فضل ترك اللعب يستمر ليشاهد الجميع تمزق قميص الهداف النرويجي الداخلي بالكامل.
لقطة إلقاء هالاند لقميصه الممزق نحو المشجعين هي إدانة صريحة لما وصلت إليه اللعبة، حيث يطغى الصدام الجسدي والعنف المقنن على المهارة والابتكار.
المشهد الهذلي هذا لم يترك لجاري نيفيل مجال للجدية فأخذ الأمر للسخرية قائلًا بحسب ما نقلت" بي بي سي": المتوقع أن نرى هذا القميص قريبًا في مزاد عالمي ليباع بأرقام خيالية"، وكأننا نكافئ العنف البدني بالمال في حين تظل لمحات شرقي الفنية ذكرى عابرة في تقارير المحللين.
ما قدمه شرقي اليوم هو صرخة في وجه المنظومات التي تحول اللاعبين إلى تروس متشابهة، نحن لا نريد 11 آلة تركض لمسافات طويلة وتلتحم بقوة، بل نريد ذلك اللاعب الذي يجعلنا نحبس أنفاسنا حين يلمس الكرة.
هالاند رغم فاعليته الكاسحة وأهدافه الرائعة في أوقات عديدة يبدو في كثير من الأحيان كأنه يؤدي وظيفة شاقة، بينما يبدو شرقي كأنه يمارس هواية محببة.
لقد آن الأوان أن تتوقف الأندية عن البحث عن العضلات المفتولة والقمصان الممزقة وأن تبحث عن العقول المبدعة التي تعيد تعريف المتعة.
كرة القدم ستبقى حية بفضل هؤلاء الذين يراوغون من أجل الجمال وليس فقط من أجل الفوز بالنقاط بقمصان لم تعد تتحمل شدة الصراع البدني المقيت.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك