هناك ديونٌ لا تُدوَّن في السجلات، ولا تُقاس بالأرقام، ولا تُطالب بها المحاكم، لكنها تبقى أثقل من كل الديون المادية وأعمق أثرًا في النفس.
هي ديونٌ تُخلّفها المواقف الصادقة، وتُسجَّل في القلب قبل أن تُكتب على الورق.
ليست التزاماتٍ مالية تُسدَّد بالمال، بل هي أثرٌ نفسي وإنساني تركه أولئك الذين حضروا حين غاب الجميع، ووقفوا حين تراجع الآخرون، ومدّوا أيديهم في لحظات الانكسار دون انتظار مقابل أو طلب شكر.
المواقف الحقيقية لا تمر مرور العابرين، بل تستقر، وتُحفر في الذاكرة، وتترسخ في العمق، لأن النفس لا تنسى من كان سندًا لها وقت الحاجة، ولا من خفّف عنها ثقل الأيام حين اشتدت.
وسداد هذه الديون لا يكون بمجرد عبارات الامتنان، ولا بكلمات الشكر وحدها، فالكلمات مهما بلغت لا تفي حق المعروف الصادق.
إنما يكون السداد الحقيقي بأن نرد المعروف بمعروفٍ مثله، وأن نكون أوفياء كما كانوا.
فالوفاء لا يُقال، بل يُمارس، والمعروف لا يُنسى، بل يُردّ بأفضل منه إن استطاع الإنسان.
ومن لا يحفظ الجميل، يفقد شيئًا من إنسانيته، لأن أجمل العلاقات ليست تلك التي تقوم على المصلحة، بل التي تُبنى على الوفاء وردّ الجميل.
وفي الختام، تبقى بعض الديون لا تُسدَّد بالمال، بل بالمواقف، ولا تُقفل حساباتها إلا حين نثبت أننا كنّا أهلًا لذلك الوفاء، وأننا لم ننسى من كان لنا نورًا وسندًا في وقت العتمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك