لم يكن انتصار قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر أواخر العام الماضي نقطة استقرار لقيادتها، وقد تحول إلى شرارة أشعلت تنافسًا داخليًا قاد إلى أعمق صدع عسكري في صفوفها حتى الآن، حيث كشف انشقاق اللواء النور أحمد آدم، الشهير بـ«النور القبة»، عن أزمة ثقة حادة تعصف بالهيكل القيادي للدعم السريع، لتسلط الضوء على هشاشة التحالفات الميدانية متى ما غابت الغنائم وتباينت التقديرات.
هذا الاختراق الاستراتيجي يمثل ضربة معنوية وميدانية قاسية للقوات المتمردة، إذ لم ينشق قائد عادي، بل أحد أبرز الأعمدة المؤسسة التي استندت عليها قوات الدعم السريع في توسعها.
وتترقب الأوساط السودانية حاليًا مآلات هذه الخطوة التي قد تفتح الباب أمام ارتدادات عسكرية وتصدعات قبلية لا حصر لها في مشهد الحرب المعقد.
رجل الدعم السريع يعبر الصحراءوقد أسدل الستار اليوم على واحدة من أكثر العمليات العسكرية دراماتيكية في مجرى الصراع السوداني، بإعلان وصول اللواء النور القبة بقواته إلى مناطق سيطرة الجيش السوداني في الولاية الشمالية.
حيث أكد مجلس الصحوة الثوري السوداني، بقيادة موسى هلال، نبأ وصول القائد المنشق إلى مدينة دنقلا، لتنتهي رحلة هروب شاقة وطويلة.
جاء هذا الوصول تتويجًا لعملية انسحاب تكتيكي بدأت منذ قرابة 9 أيام، انطلاقًا من دامرة القبة قرب مدينة كتم بشمال دارفور.
إذ اختار القبة توقيتًا بالغ الدقة لتنفيذ خطته، مستغلًا المساحات الصحراوية الشاسعة لكسر الطوق الأمني الذي تفرضه قوات الدعم السريع على قياداتها الميدانية.
لا يمثل النور القبة مجرد رقم في معادلة القادة الميدانيين، بل هو أحد الوجوه التاريخية التي شكلت نواة القوات في إقليم دارفور.
برز اسمه مبكرًا ضمن الرعيل الأول لقوات حرس الحدود، قبل أن ينضم رسميًا إلى قوات الدعم السريع في العام 2017 عشر، تلبيةً لطلب شخصي ومباشر من قائدها محمد حمدان دقلو.
وتدرج القبة في المناصب الميدانية الحساسة، ليُكلف في يناير من العام 2021 بقيادة ما عُرف بـ«متحرك درع السلام» التابع للدعم السريع.
حيث لعبت قواته دورًا محوريًا وحاسمًا في المعارك الطاحنة التي أدت في النهاية إلى السيطرة على مدينة الفاشر في أكتوبر من العام الماضي، مما جعله يعتقد بأحقيته في مكاسب القيادة اللاحقة.
بدأت بذور التمرد تتشكل في عقل القبة فور انجلاء غبار معركة الفاشر، حينما أدارت قيادة الدعم السريع ظهرها له بشكل مفاجئ.
إذ تم تجاوز اسمه تمامًا في التعيينات القيادية، ليقع الاختيار على «جدو ابنشوك»، الذي تجمعه صلة قرابة بقائد الدعم السريع، لتولي قيادة ولاية شمال دارفور.
هذا التهميش المباشر تحول إلى عزلة ميدانية قاسية، وقد مكث القبة طيلة 4 أشهر في منطقة كتم دون أن تكلف قيادة الدعم السريع نفسها عناء إرسال وفد لاحتوائه أو حتى تزويد قواته بالإمدادات العسكرية اللازمة.
وقد وجد الرجل نفسه مضطرًا للاستجداء العسكري من دوائر محددة مقربة من القيادة العليا، وهو ما اعتبره إهانة لا تُغتفر لتاريخه وتضحيات رجاله.
لم تكن رحلة الانشقاق نزهة صحراوية، بل تخللتها مواجهات دامية ومطاردات شرسة.
ففي 16 أبريل الجاري، دخلت القوات المنسحبة في اشتباكات عنيفة مع مفرزات تابعة للدعم السريع في قلب الصحراء الممتدة نحو الولاية الشمالية، أسفرت عن وقوع خسائر، حيث تعرض عدد من عناصر القبة للأسر، بينما اضطر آخرون لتسليم أنفسهم تحت وطأة النيران ونقص الإمداد.
وتتفاوت التقديرات حول حجم القوة العسكرية التي رافقت القبة في انشقاقه.
ففي حين صرح اللواء المتقاعد بالجيش السوداني أحمد عبد الرحيم شكرت الله بأن القوة تتألف من 136 سيارة قتالية، تشير مصادر محلية متطابقة إلى أن ما وصل فعليًا إلى دنقلا لا يتجاوز 50 سيارة قتالية.
وتُرجَّح رواية المصادر المحلية كونها تعكس العدد النهائي الذي نجا من الكمائن والاشتباكات وعناء الرحلة الصحراوية القاسية التي استمرت 9 أيام.
ما الذي يغيره هذا الانشقاق؟يحمل انضمام القبة للجيش السوداني أبعادًا استراتيجية تتجاوز الخسارة العددية لقوات الدعم السريع.
فهذا الاختراق يضرب العصب القبلي والتماسك الداخلي للقوات المتمردة في مقتل، ويوجه رسالة واضحة لبقية القادة الميدانيين المهمشين بأن خيار التمرد الداخلي والنجاة بات ممكنًا ومتاحًا.
وتتجه الأنظار الآن نحو التداعيات الميدانية المباشرة في شمال دارفور والولاية الشمالية، وسط أنباء تتردد عن احتمالية التحاق قادة ميدانيين آخرين بركب الانشقاق، وعلى رأسهم القائد الميداني «حمودة».
وإذا ما تأكدت هذه التموجات المتتالية، فإن هيكل الدعم السريع سيواجه تحديًا وجوديًا يهدد بتحويل انتصاراته السابقة إلى هزائم تتفجر من الداخل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك