كانت جريمة الغزو العراقي للكويت غير مسبوقة في تاريخ الوطن العربي والعالم على السواء، فقد كانت جريمة طاغية دفعته نوازع الشر والأطماع والحقد، التي تجمعت كلها في ذاك «اللاآدمي» وغير السوي، نحو جارة قدمت له الكثير لسنوات عديدة في أوقات السلم والحرب والعوز لم تخطر عليه، فكان جزاء الكويت كجزاء «سنمار»، وهو الرجل الذي طلب منه النعمان بن المنذر القيسي بناء قصر في ظهر الكوفة، على إلا يكون هناك قصر مثله، ولما انتهى من بناء القصر، قام الملك النعمان بإلقاء الرجل من أعلى القصر، ولقي حتفه، خشية أن يبني قصراً آخر مثله لأحد، هكذا كان جزاء الكويت مع ذلك، الذي لا يذكره التاريخ إلا بالسوء واللعنات على ما تركه من تدمير وعداوات وفقر وضحايا بين شعبه، وعلى العالمين العربي والإسلامي أيضاً.
حالنا مع الجار الآخر إيران هو كحالنا مع جار الشمال، الذي ذهب إلى جهنم، فبلاد الفرس لم تتأخر عليها الكويت بالمساعدات خلال الزلازل التي تعرّضت لها، إضافة لمساعدات كثيرة كويتية، وسعي لعلاقات طيبة على اكثر من صعيد، انطلاقا من دورها نحو جيرانها، فكان الجزاء لنا صواريخ ومسيرات وحرائق وشهداء وجرحى، بدلاً من الشكر والتقدير وحفظ العرفان بجميل الكويت عليهم، لكن ماذا ننتظر من اللئيم ما دام هذا نهجه وسلوكه وعاداته على كل من حوله من الدول.
الاعتداءات الإيرانية علينا، وحتى على دول الخليج الشقيقة، جمعت شعوبنا ودولنا الخليجية على كلمة واحدة، وأظهرت انها جسد وصوت واحد في الخطوب والملمات والمحن، وانعكس ذلك على ترابط شعوب المنطقة ومصيرها المشترك ووقوفها أمام الاعتداءات الإيرانية الغادرة، وفي خضم كل تداعيات الاعتداءات الغادرة، التي تعرّضت لها الكويت، تبقى قضية الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي الواحد هي السياج الآمن لاستقرار مجتمعنا، ولوطننا قبل ذلك، مثل ما كانت وحدتنا وكلمتنا خلال شهور الغزو العراقي واحتلاله المجرم، الذي لم يفرّق بين الكويتيين في القتل والتعذيب والاعتقال، كنا صفاً واحداً في الداخل والخارج، جمعتنا كلمة واحدة ووطن واحد هو الكويت، رغم الاختلافات الفئوية والتوجهات المختلفة والانتماءات، وكلها اندثرت أمام وطن احتضن الجميع، وهذا ما نريده اليوم، ونحن في خضم هذه الأحداث غير المتوقعة، التي يمر بها وطننا والدول الشقيقة الخليجية، فأصوات النشاز التي تخرج علينا، والسلوكيات التي تفرّق ولا توحّد، وبعض الانتماءات الخارجية من البعض، هذه وغيرها لا نريدها اليوم ما دامت الكويت هي الأغلى والأولى بالوفاء والإخلاص لها أمام كل التحديات والأطماع الخارجية، التي تستدعي وتفرض علينا رصّ الصفوف لمواجهتها والانتصار عليها، حتى لا ندع العدو الإيراني يجد ثغرة لزرع الفتنة بيننا، والتفرقة بين المجتمع الواحد، وهذا ما يتمناه، وما ينتظره، وما يريده لنا.
الانتماء للكويت والإخلاص الحقيقي النابع من القلوب لا يكونان بتغريدات تفوح منها رائحة الطائفية والفئوية الكريهة، بل بالكلمة التي تحمي الكويت والمجتمع من زلازل التفرقة والبغضاء والشحن الفئوي، التي تغرق السفينة لا سمح الله وهذا ما لا يريده كل مخلص وغيور ومحب لوطنه.
قال تعالى: «وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُم» (الأنفال: 46)، فالنزاع والاختلاف نهايته الضياع والحسرة على ما فات، فكونوا عباد الله اخوانا، وخذوا العبرة من تجارب الشعوب الأخرى، وتذكّروا ما فعلت بهم النزاعات والخلافات، والعاقل من يتعظ، حتى لا نضرب كفاً بكف على ضياع وحدتنا.
كل ممارسة فيها ضرر للوطن والمجتمع هي أشبه بإصابة جزء في الجسد، الذي يحتاج إلى علاج، وإذا تفاقم فإزالته بعملية لإراحة الجسد، ومن يرد العمل والإضرار بالوطن فلا سبيل سوى الجزاء، الذي يضمن سلامة الوطن والمجتمع.
يقول المثل: «الضرس إذا تحرّك فلا سبيل سوى الشلع».
طال عمرك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك