بقلم: د.
دينا زايد عبدالصادق(مدرس بكلية الألسن جامعة قناة السويس ـ دكتوراة في الأدب الألماني المقارن)لم يكن الأدب يوماً مجرد ترفٍ لغوي أو مرآة عاكسة للذات فحسب، بل هو الجسر الأسمى الذي تعبر عليه الشعوب نحو فهم “الآخر”.
إن جوهر الأدب الحقيقي يكمن في قدرته على إلغاء العزلة الثقافية وإعادة صياغة الهوية الإنسانية بوصفها وحدة واحدة وإن تعددت لغاتها.
وفي هذا السياق، يقف يوهان فولفغانغ فون جوته كنموذج فريد للمثقف الذي أدرك أن الأدب “فعلُ تحرر”؛ فلم يكتفِ بخصوصيته الأوروبية، بل سعى نحو “الشرق” كأفق روحي ومعرفي، محولاً نتاجه الإبداعي إلى حوار حضاري حيّ يكسر قيود التنميط ويؤسس لما أسماه “الأدب العالمي” (Weltliteratur).
لم يكن الشرق بالنسبة لجوته مجرد فضاء جغرافي أو موضوعاً “غرائبياً” (Exotic) يداعب خيال الكاتب الأوروبي، بل كان أفقاً معرفياً يسعى لاكتشافه بصدق الباحث وشغف الشاعر.
ويتجلى هذا بوضوح في عمله الأشهر “الديوان الشرقي للمؤلف الغربي” (West-östlicher Divan)، الذي لم يفتتحه جوته بكلمات المديح التقليدية، بل بـ “بيان هجرة” روحي وسياسي.
في قصيدته الافتتاحية التي تحمل عنوان “Hegire” (هجرة)، يستعير جوته المفهوم الإسلامي للهجرة النبوية ليعلن رحيله الروحي من “أوروبا المنهكة” التي مزقتها الحروب النابليونية وضيق الأفق السياسي، نحو “شرق الطهر والبدايات”.
يقول جوته:“هناك، في الطهر والصفاء، أود أن أعود بالأجناس البشرية إلى المنبع العميق، حيث كانت تتلقى من الله وحي السماء بلغات الأرض، دون أن ينال منها الإعياء.
”ولقد تأثر جوته بالنص القرآني تأثراً تجاوز الاقتباس الشكلي إلى استيعاب البنية الجمالية والرؤية الكونية.
فمن خلال قراءته العميقة لترجمات “هامر بورغشتال”، أدرك جوته أن القرآن ليس مجرد نص ديني، بل هو قوة بيانية لم يشهدها من قبل.
وقد عبّر في مراجعاته النقدية عن إعجابه بمفهوم “التوحيد”، وبتسليم الإنسان لإرادة الله، وهو ما وجد فيه صدى لفلسفته الخاصة حول وحدة الوجود والانسجام الكوني.
ولعل قوله الشهير: “إذا كان الإسلام هو التسليم لله، فنحن جميعاً نحيا ونموت على الإسلام”.
هذا الموقف لم يكن اعتناقاً بالمعنى الديني التقليدي، بل كان يرى في الإسلام جوهراً أخلاقياً يتسق مع الفطرة الإنسانية.
كما تبرز قصيدته المبكرة “نشيد محمد” (Mahomets Gesang) كدليل ساطع على تقديره للعبقرية الروحية، حيث شبه الدعوة المحمدية بالنهر العظيم الذي يبدأ من قطرة صافية فوق القمم، لينتهي محيطاً يحتضن الشعوب والقبائل… وفي “االديوان أيضا، لم يكتفي جوته بالمحاكاة، بل يدخل في حوار شعري مباشر مع التراث الفارسي والعربي، مستلهماً على وجه الخصوص “حافظ الشيرازي”.
لقد رأى جوته في حافظ “توأماً روحياً”، ولم يتعامل معه كموضوع للدراسة الاستشراقية التقليدية القائمة على الهيمنة، بل كشريك في إنتاج المعنى.
هذا الانفتاح لم يتوقف عند الروحيات، بل امتد لجهد أكاديمي ملموس؛ إذ تشهد مسودات جوته في أرشيف “فايمار” على محاولاته لتعلم كتابة الخط العربي وفهم أسرار اللغة، إيماناً منه بأن اللغة هي مفتاح الهوية الثقافية، وأن المترجم والشاعر ليس مجرد ناقلين للألفاظ.
أما عن أهمية تجربة جوته اليوم في حقل الأدب المقارن فتتطلب في أنه يعتبر نموذج رائد لـ “الأدب العابر للحدود”.
لقد أثبت أن النصوص يمكن أن تتجاوز حدودها اللغوية والثقافية لتسهم في بناء إنسانية مشتركة.
إن دراسة “الديوان” تتيح لنا فهم آليات التفاعل التي لا تلغي خصوصية “الأنا” ولا تطمس ملامح “الآخر”، بل تجعل منه “مرآة” نرى فيها كمال إنسانيتنا.
وفي النهاية، تظل تجربة جوته مع الإسلام والشرق شهادة حية على أن الأدب هو “الفضاء المشترك” الذي لا يعرف صراع الحضارات، بل يسعى لتكاملها، وأن اللغة حين تخلص للإبداع تتجاوز حدودها لتنطق بلسان إنساني جامع.
وفي زمننا المعاصر، حيث تطل النزعات الانغلاقية برأسها من جديد، تبرز أهمية جوته كضرورة أخلاقية ومعرفية؛ فهو يذكرنا بأن اللقاء بين الثقافات ليس تهديداً للهوية، بل هو مصدر ثراء لا ينضب، وأن الكلمة الصادقة تظل دائماً فعل لقاء لا قطيعة، وحواراً يبدأ من احترام الاختلاف لينتهي عند وحدة المصير الإنساني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك