في إقليم تساقطت فيه الخرائط السياسية منذ أواخر عام 2010، وتُعاد صياغة التحالفات تحت ضغط الفوضى والسلاح والتدخلات العابرة للحدود، بقي الأردن ثابتا على معادلة دقيقة: دولة بموارد محدودة، لكنها تمتلك قدرة استثنائية على إدارة المخاطر.
لم يكن الصمود الأردني معجزة جغرافية، فالجغرافيا كانت عبئا لا ميزة، ولم يكن نتاج حياد سلبي، بل خيارا سياسيا واعيا: البقاء في منطقة ملتهبة لا يكون بالصوت العالي، بل بفن التوازن لا بالاندفاع، بل بحساب الخطوة التالية دائما.
لقد اختار الأردن، وسط عواصف الإقليم، انحيازا واحدا فقط: انحياز البقاء.
العراق، بما يمثله من عمق استراتيجي وتجاري، شهد خلال العقدين الماضيين اضطرابات داخلية وصعود جماعات مسلحة وتمدّد تنظيمات متطرفة، خصوصا بعد عام 2014سوريا: حرب على الحدود لا في الداخلمع اندلاع الثورة السورية في مارس/آذار 2011، وجد الأردن نفسه أمام موجة لجوء ضخمة وضغط أمني متصاعد.
خلال عامين فقط، استقبل مئات الآلاف من اللاجئين، ما فرض كلفة اقتصادية واجتماعية وأمنية ثقيلة على دولة محدودة الموارد.
لكن التحدي لم يكن إنسانيا فقط، فمع تعقّد الصراع ودخول قوى إقليمية وميليشيات عابرة للحدود، تحولت الجبهة الشمالية إلى مصدر تهديد مباشر.
تصاعد تهريب السلاح ثم المخدرات، وازدادت محاولات التسلل، لتدخل القوات المسلحة الأردنية مواجهة مفتوحة لحماية السيادة ومنع تحويل الحدود إلى ممر للفوضى.
أغلق الأردن حدوده حين تجاوزت الكلفة قدرته على الاحتمال، في قرار لم يكن شعبويا ولا انفعاليا، بل سياديا بامتياز.
لم ينخرط في مشاريع إسقاط ولا في محاور إنقاذ، بل ركّز على حماية حدوده واستقراره الداخلي، حتى لو دفع أثمانا سياسية واقتصادية.
ورغم تراجع حدّة العمليات العسكرية داخل سوريا اليوم، لا تزال الحدود الشمالية ملفا مفتوحا، يتطلب يقظة أمنية ودبلوماسية واقعية في آن معا.
العراق: استثمار في الدولة لا في الفوضىالحدود الشرقية بدورها لم تكن أقل تعقيدا.
العراق، بما يمثله من عمق استراتيجي وتجاري، شهد خلال العقدين الماضيين اضطرابات داخلية وصعود جماعات مسلحة وتمدّد تنظيمات متطرفة، خصوصا بعد عام 2014.
أدرك الأردن مبكرا أن انهيار الدولة العراقية لا يعني فراغا داخليا فحسب، بل تهديدا مباشرا لأمنه الوطني، لذلك استثمر في العلاقة مع بغداد بوصفها علاقة دولة بدولة، لا ساحة تنافس محاور.
عزز منظومات المراقبة والتحصين الحدودي، وفي الوقت ذاته حافظ على خط دبلوماسي مفتوح، ودفع باتجاه مشاريع الربط الكهربائي والنقل والطاقة، محاولا تحويل الحدود من خط تماس أمني إلى شريان تعاون اقتصادي.
فكانت المعادلة واضحة: حماية صارمة للحدود شرقا، وتعميق الشراكة مع الدولة العراقية.
فالأمن المستدام في الرؤية الأردنية لا يتحقق بالسياج وحده، بل باستقرار الجوار.
ظل الموقف الأردني يسير على حبل مشدود: دعم صريح للحقوق الفلسطينية ورفض للتهجير، وفي الوقت ذاته حرص على منع الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحةفلسطين: الحبل المشدود غرباتبقى الجبهة الغربية الأكثر حساسية وتعقيدا للأردن، فالحدود مع الضفة الغربية ليست مجرد خط جغرافي، بل امتداد ديمغرافي وسياسي وتاريخي يتقاطع مع جوهر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
منذ عقود، تبنّى الأردن معادلة دقيقة: دعم حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، مع حماية الهوية الوطنية الأردنية ورفض مشاريع التوطين أو الوطن البديل.
قاد الملك عبد الله الثاني بن الحسين هذا الموقف في المحافل الدولية بوصفه خيارا استراتيجيا لا شعارا مؤقتا، مستندا إلى شرعية تاريخية ودينية تعزّزت ضمن اتفاقية السلام عام 1994، المعروفة باسم معاهدة وادي عربة، التي كرّست الدور الأردني في القدس ومنحت عمّان موقعا محوريا في أي تصعيد يتعلق بالمقدسات.
بعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومع اشتعال الحرب في غزة، برزت حساسية الموقف الأردني أكثر من أي وقت مضى.
فالأخطر بالنسبة إلى عمّان لم يكن فقط اتساع رقعة الحرب، بل احتمال انتقال تداعياتها إلى الضفة الغربية، وما قد يحمله ذلك من سيناريوهات نزوح أو انهيار أمني ينعكس مباشرة على الداخل الأردني.
لهذا ظل الموقف الأردني يسير على حبل مشدود: دعم صريح للحقوق الفلسطينية ورفض للتهجير، وفي الوقت ذاته حرص على منع الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
الدبلوماسية الناعمة دون التفريط بالثوابترغم تحديات الجبهات الثلاث، لم ينجرّ الأردن إلى اصطفافات حادة، ولم يغامر بشعارات تفوق قدرته على الاحتمال.
اعتمد سياسة توازن دقيقة بين علاقته الاستراتيجية بالولايات المتحدة، وشراكاته الأوروبية، وتواصله العربي، واضعا المصلحة الوطنية فوق الحسابات الأيديولوجية.
لم تكن هذه براغماتية ظرفية، بل منهج إدارة دولة تدرك محدودية مواردها وتضخم مخاطر محيطها.
معادلة البقاء الأردنية، رغم نجاحها، تدخل مرحلة أكثر حساسية في السنوات المقبلة.
فالإقليم لا يتجه إلى استقرار نهائي، بل إلى إعادة تشكيل بطيئة لموازين القوى، قد تكون أقل صخبا لكنها أكثر تعقيداإدارة الاحتجاجات ومنع الانهيارحين هبّت رياح الربيع العربي، لم يكن الأردن بمعزل عن الاحتجاجات، لكنه اختار مسارا مختلفا: احتواء الشارع، إطلاق تعديلات دستورية، وتطوير قوانين سياسية وانتخابية، بدلا من دفع الأمور نحو صدام مفتوح مع مؤسسات الدولة.
لم تكن العملية كاملة أو مثالية، لكنها منعت انهيارا مؤسساتيا شهدته دول أخرى في الإقليم، ورسّخت معادلة إصلاح تدريجي يحفظ الاستقرار.
غير أن معادلة البقاء الأردنية، رغم نجاحها، تدخل مرحلة أكثر حساسية في السنوات المقبلة.
فالإقليم لا يتجه إلى استقرار نهائي، بل إلى إعادة تشكيل بطيئة لموازين القوى، قد تكون أقل صخبا لكنها أكثر تعقيدا.
الحدود قد تهدأ عسكريا، لكنها تبقى قابلة للاشتعال سياسيا، والضغوط الاقتصادية ستظل العامل الأكثر استنزافا لدولة تحمل كلفة جغرافيا مضطربة.
فيما التحدي القادم لن يكون فقط في منع تسلل سلاح أو مخدرات، بل في تحويل الموقع الجغرافي من عبء أمني دائم إلى فرصة استراتيجية مستدامة، عبر تكريس دور الأردن كحلقة وصل إقليمية في الطاقة والنقل وإعادة الإعمار، بدل أن يبقى خط تماس مع الأزمات.
كما أن ملف فلسطين سيبقى الاختبار الأشد تعقيدا، في ظل احتمالات اتساع الاستيطان أو اهتزاز بنية السلطة الفلسطينية، وهي سيناريوهات تعيد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الضفة الغربية وانعكاساته المباشرة على الداخل الأردني.
بينما لا يكون السؤال في العقد المقبل: كيف صمد الأردن؟ بل: هل يستطيع أن ينتقل من دولة تدير الأزمات إلى دولة تصنع التوازنات؟ ذلك هو الامتحان الأصعب، والأكثر حسما.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك