حين تلتصق بك رائحة البارود وتتسلل إليك أثناء نومك، تصبح حياتك كالكابوس، يأبى تركك بسلام ويرفض قتلك، يتركك تعيشه بآلامه ويستمر باستنزافك إلى آخر قطرة حياة فيك.
وفي ظل الحروب في شرقنا الأوسط، وأسفل الركام في مدينة لم تعرف السلام، تأبى رائحة البارود أن تتركني لأستنشق الهواء النقي الذي كنت قد نسيت كيف يكون.
حين تسأل أحدهم عن حاله ويجيبك بلا مبالاة: ناه، لا جديد.
لا جديد؟ ! ما الذي تعنيه بلا جديد؟ أنت تتنفس دون عناء، وتتنفس هواء نقيا غير ملوث، وتستيقظ في أي ساعة شئت، وإن أيقظك شيء فسيكون أمرا مسالما كالمدرسة أو الجامعة أو العمل، بينما هناك الآلاف يستيقظون على سقوف تنهار فوق رؤوسهم.
حياتكم هذه هي حلم لأشخاص آخرين، بينما أنتم تستهترون بقولكم لا جديد.
ما الجديد الذي تنتظره بينما أنت مغدق في النعم كل يوم؟ إلف النعم جريمة حقيقية يجب أن تتوقفوا عنهالا جديد، بينما أنت نائم في سريرك الدافئ وغيرك يموت بردا في الخيم، أنت تدعو بكل جهل: يا رب الدنيا تمطر، لتشاهد المطر من نافذة منزلك مع كوب شراب ساخن، بينما لا تدرك أن هناك من يعيش في الخيم يبكي دموعا من دم ليدفئ أطفاله كي لا يلقوا حتفهم من البرد.
أنت لا تحتاج إلى جلسات كيماوي أو غسيل كلى أو أجهزة تنفس أو كرسي متحرك، يمكنك فعل كل شيء بمفردك.
أنت لا تطلب من أحدهم المساعدة كي تذهب إلى المرحاض في كل مرة تحتاج فيها لقضاء حاجتك، وأنت لا تعاني من تنمر يلقي بك إلى الهاوية.
لا تتحدث عن لا جديد عندما يمكنك دفع فواتيرك دون أن ترجو أحدهم للانتظار لبعض الوقت حتى تجمع المبلغ اللازم.
أنت تبتاع ما ترغب به دون النظر إلى السعر وتركه لتستطيع توفير بعض الطعام لعائلتك.
لا تقل لا جديد بينما لم تجرب ألم رؤية نظرة والديك إلى بعضهما حين تطلب تكاليفك المدرسية.
لا تقل لا جديد بينما لم تترك دراستك لتوفر نقودا على عائلتك.
لا تقلها وأنت تملك والدين تعانقهما، حتى لو كانا باردين معك، على الأقل أنت تملكهما بينما الآلاف لا يفعلون.
لا تقلها وأنت لم تر عائلتك تحترق أمامك، ولم تسمع والدتك ترجوك لإنقاذها بينما أنت عاجز.
لا تقلها وأنت لم تعان من كوابيس صادمة كل ليلة تؤرقك وتخطف منك جمال لحظات نومك.
لا تقلها وأنت جالس تتعلم وتلعب وتتحدث وتسمع وتشم وترى وتتحرك بحرية، بينما لا تكون عبئا على أحد.
لا تقلها عندما لم تجرب أيا من هذه الأمور.
أنتم تجلسون وتناقشون أمورا وجودية لا معنى من نقاشها.
أنتم لا تفعلون شيئا سوى التذمر والتحدث بالهراء المحض، بينما هناك من يقاسي العذاب في حياته كل يوم ويعيش أيامه كلها كجحيم لا نهاية له.
لا تقولوا لا جديد وأنتم لم تعيشوا كل يوم تنتظرون لفظ أنفاسكم الأخيرة، لأن الحياة باتت جحيما ينفث سموما تحرقك حيا ولا تميتك.
حياتكم هذه هي حلم لأشخاص آخرين، بينما أنتم تستهترون بقولكم لا جديد.
ما الجديد الذي تنتظره بينما أنت مغدق في النعم كل يوم؟ إلف النعم جريمة حقيقية يجب أن تتوقفوا عنها.
عيشوا أيامكم كما لو كانت الأخيرة، وكما لو كانت الأولى، عيشوها وتذوقوا طعمها ببطء، بحلوها ومرها، لأنها لن تدوم، ولا تألفوا النعم.
أدرت وجهي إلى حيث الحائط الذي دمر.
ضوء أحمر يخترق الضباب الأسود، وصوت صفير يخترق أذني، ثم لم أر أو أسمع أي شيء آخرانفجار مؤلم.
ماذا يحدث؟ المكان أصبح مظلما فجأة.
انفجار آخر.
شيء ثقيل اصطدم بي.
الحجارة تتساقط من النافذة خلفي.
شخص ما يصرخ.
أين والداي وإخوتي؟أحاول أن أنظر حولي، لكنني لا أرى أي شيء.
رائحة البارود تتسلل إلى أنفي وتوقف أنفاسي.
ألهث بشدة وأتلفت كالمجنونة حولي.
أين عائلتي؟ ماذا يجري؟ ومن يصرخ؟تحركت في المكان بسرعة دون أن أرى أي شيء، أحاول الحصول على هواء نقي لأتنفسه لكنني لا أجده.
أصرخ بأسماء أفراد عائلتي لكنهم لا يجيبون.
أشعر بشيء ساخن يملأ عيني.
ثقل مؤلم يطبق على صدري.
أحاول الركض، لكن ما إن أفعل حتى أتعثر وأسقط على وجهي.
الظلام يزداد حلكة، والهواء الملوث بالبارود ينهكني.
حاولت البحث في جيبي عن هاتفي لأضيء به لكنني لا أجده.
انفجار آخر، هذا قريب.
إنه في المنزل.
ضغط الهواء دفعني للخلف بقوة.
عاودت النهوض مجددا للركض.
والدتي كانت في الصالة، أختي، أبي، إخوتي.
ركضت.
هناك ضوء خافت.
حائط الصالة قد سقط.
صوت أخي الأكبر يرتفع بصراخ: انبطحي.
أدرت وجهي إلى حيث الحائط الذي دمر.
ضوء أحمر يخترق الضباب الأسود، وصوت صفير يخترق أذني، ثم لم أر أو أسمع أي شيء آخر.
جسدي يشعر بالثقل.
شيء حار يتدفق من رأسي، يمكنني الشعور به.
لا أشعر بذراعي.
الألم يجتاحني، لكنني لا أشعر به في الآن ذاته.
أرغب بتحريك ذراعي، أرغب بسؤال أخي ماذا جرى لباقي العائلة.
تمنيت لو أمكنني أن أعود بضع دقائق للخلف لأعتذر لوالدتي، وأطلب منها أن تسامحني إن كنت قد جرحت مشاعرها في وقت ما، وتمنيت إن استطعت أن أجلس معهم للمرة الأخيرة على الأقل.
تمنيت العديد من الأشياء، لكنها خرجت من عقلي مع هذا السائل الذي يتدفق من رأسي بقوة.
أهذا هو الموت؟ هل سأموت بهذه الطريقة؟فتحت عيني بسرعة فزعة، والعرق البارد يتصبب على جبيني، وملابسي ممتلئة بالعرق.
اعتدلت على سريري أنظر حولي.
أختي نائمة بهدوء، والغرفة مظلمة دون دخان.
صوت هاتف والدي يصدح في الصالة بالصوت العالي المعتاد الخاص به.
شخير أخي الأوسط لا يزال موجودا.
رفعت الغطاء عن جسدي واستلقيت من جديد أحدق في سقف الغرفة.
جسدي يؤلمني، هذا ليس حلما لطيفا بالتأكيد.
استنشقت نفسا عميقا متوترا ثم أطلقته زفيرا، وأعدت الغطاء على جسدي لأعود للنوم مجددا.
يبدو أنني عالقة في هذا الكابوس.
صوت انفجار آخر، والدخان انتشر في المنزل، فصرخ والدي: جميعا اركضوا نحو الممر، وغطوا رؤوسكم بأيديكم جيداعائلة تقع تحت الحصار ويغرقون في الأحلام العابرة بانتهاء الحرب وفك الحصار، لكن قصتهم تنتهي قبل أن تبدأ.
صرخ والدي مجددا بصوت عال: لمَ يستمر بتوبيخي أنا؟ ذهبت إلى غرفتي بعصبية، ووالدي لا يزال يسبني بصوته العالي الذي يخترق طبلة أذني.
يستمر بتوبيخي دون الاستماع لي حتى، يوبخني لأجل أشخاص لا قيمة لهم.
مجموعة حمقى، أنا أكرههم جميعا.
أنا أتفهم أن القصف يزداد سوءا، وأن هذا يضغط أعصابهم جميعا، لكن لمَ يضع الجميع اللوم علي في كل شيء، سواء أفعله أم لا؟ لكن أخبار الهدنة تتحسن أيضا، فلماذا جميعهم مزعجون بهذا الشكل؟ قال والدي إنهم قد يعلنونها الأحد المقبل.
لماذا ليس اليوم؟ اليوم هو الأحد.
كم هذا أحمق.
خلدت إلى النوم.
لم يكن هناك سوى بطانية للنوم عليها، لكنها كانت المفضلة لدي على أي حال، لذا لا أمانع.
فتحت عيني بسبب اهتزاز شيء ما.
ماذا يجري؟ نهضت وركضت إلى الصالة.
كان والدي يدور حول نفسه، وإخوتي يعانقون والدتي، والجميع يبدو متوترا ومستيقظا بالكامل.
ماذا يجري؟ قلت بصوت خافت، ليجيب أبي بيأسه المعتاد: لا شيء، لا شيء، فقط ها نحن قد حوصرنا.
الدبابات على بعد منزلين منا، أي أنها في الشارع الآن.
فتحت عيني على مصراعيها.
ماذا قال؟ حصار؟ ! مستحيل، ألم يكن هناك نقاشات عن هدنة قريبة؟ في الوقت ذاته دوى صوت انفجار قريب، ثم صدح صوت مكبرات للصوت وشخص آلي يتحدث: من أراد العيش فلا يقترب من النوافذ، وإلا فسوف نفجر المبنى.
وإلا ماذا؟ أنتم تفجرونه بالفعل.
صوت انفجار أعلى من سابقه دوى في المنطقة.
أشعر بالدم قد توقف عن الوصول إلى قدمي.
شعرت بقدمي مخدرتين، لكنني لم أبد أي تعبير، ونظرت إلى والدتي التي انكمشت على نفسها، وإلى والدي الذي يحدث نفسه.
هذا يبدو كابوسا، ما هذا؟ مستحيل.
صوت انفجار آخر، والدخان انتشر في المنزل، فصرخ والدي: جميعا اركضوا نحو الممر، وغطوا رؤوسكم بأيديكم جيدا.
لم ينبس أي منا ببنت شفة.
كل ما فعلناه هو الركض.
كلنا اجتمعنا حول والدتي أثناء الركض.
هي تخاف كثيرا، لكنني كنت أغطي ظهر والدي وأختي.
لا يمكنني تركهما مكشوفي الظهر أثناء الركض.
جلسنا في الممر لفترة طويلة لم يتحدث أحد فيها.
كل ما فعلناه هو ضم أجسادنا بقوة لنوقف ارتجافنا.
لم أكن يوما ممن يبالغون في مشاعرهم، ولا من يشعرون بالخوف الشديد، وإن فعلت فأنا لا أبدي ذلك أبدا.
ربما هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أرتجف فيها بهذا القدر.
مضت الليلة، ودوي الانفجارات لم يتوقف، وبقينا جالسين في الممر ونتنفس بخفوت.
لم نتناول شيئا بعد، ولكن لا أحد يرغب في تناول أي شيء.
ضحك الجميع، ثم تدخل والدي في الحوار قائلا: سأشتري لكل فرد منكم ما يريده عندما تنتهي الحرب، وسنذهب جميعا لمطعم ونسافر في رحلة أيضا.
ما رأيكم؟اليوم الثاني.
بقينا جالسين لفترة طويلة لم نعرف كم مدتها، وكان صوت الانفجارات يعلو.
بعد أن غربت الشمس قرصنا الجوع.
كان الخوف أقوى بالطبع، لذا لم نتناول سوى أطعمة معلبة والقليل من الخبز، فقط دون أن يتحدث أي شخص.
ذهب أخي على ركبتيه وأحضر حقيبة مؤن، وتناولنا البعض منها قبل أن يسد الخوف شهيتنا مجددا إثر صوت رصاص يخترق الحائط في الصالة.
جسدي تشنج من الجلوس في الوضعية نفسها، لكنني خفت أن أحركه.
اليوم الثالث.
كانت القذائف أكثر من اليومين الماضيين، وصوت الرصاص والهليكوبتر يمنعنا من سماع أي شيء آخر.
لم أتناول الكثير.
والدي تخلى عن حصته لأحد إخوتي، لذا أعطيته ما تبقى من حصتي.
اليوم الرابع.
بدأنا نعتاد الأصوات المدوية، لكن ذلك كان قبل أن تبدأ القذائف باستهداف مبناي السكني.
جلسنا في الليل نتحدث أثناء تناول بعض المتبقي من البسكويت.
ربما علاقتنا تحسنت قليلا، لكن وعلى أي حال والدي أخبرنا أن نصمت لأنه يرغب في النوم.
اليوم الخامس.
بدأنا نتحدث عما سنفعله عندما ينتهي الحصار وتنتهي الحرب.
قالت أختي: أنا سأشتري ملابس جديدة تماما، فملابسي هذه مهترئة بالكامل.
ليقاطعها أخي بسخرية: ليس وكأنك تملكين ثمن هذه الملابس التي تتحدثين عنها.
صفعته أختي على ظهره وقالت: تبا لك، والدتي هنا وستدفع لي.
ضحكنا، ثم بدأ الباقون يتحدثون عما سيفعلونه.
أنا سأذهب إلى كذا، وأنا سآكل كذا، وأنا سأفعل كذا، وأنا سأشتري كذا.
وبصراحة أنا أيضا لدي رغبات شاركت بها: أنا سأنام على سريري لفترة طويلة، وسيكون من الأفضل لكم إن لم توقظوني.
صرخنا جميعا نؤيد الفكرة، ثم أضافت والدتي ضاحكة: أنا يجب أن تكون هديتي أكبر من الجميع.
ضحكنا، وضحك والدي، وهكذا انتهت الليلة بينما نحن نضحك متناسين أمر الموت الذي يحوم حولنا.
تركتهم وتوجهت نحو غرفتي.
أنا أعلم أنها مكان خطر لأنها أقرب إلى الدبابات، وفيها نافذة مفتوحة تطل على الشارع، لكنني لن أتحمل الجلوس معهم، أنا قد أجن إن فعلتاليوم السادس.
جميعنا نستمع لمحاضرات والدي المتفائلة بتركيز: وكما أقول لكم، هذا كله مجرد ضغط عسكري، وسيتم إعلان الهدنة كما هو مقرر يوم الأحد، لكنهم فقط يودعوننا بهذه الطريقة.
تحدثت أختي: اللعنة عليهم على هذا الوداع.
ضحكنا: بحق.
اللعنة عليهم.
تحدث أخي الصغير: دعنا من هذا، أنا أريد أن أتناول الكثير من الأطعمة بعد الحرب.
وأيضا أين سنسافر يا أبي؟وهكذا بدأنا نحلم أين سنسافر وماذا سنأكل وماذا سنفعل.
وكل ما شاركت به هذه المرة هو الإيماءات، ثم قلت: أنا سأستحم كل يوم ولمدة ساعة، ولن أجيب على أي أحد منكم إن طرق الباب، لذا يستحسن أن تشتروا شقة فيها 3 حمامات على الأقل، لأن واحدا منها سيكون ملكي.
ضحك الجميع لساعات متأخرة من الليل حتى غلبنا النعاس، وبدأنا ننام واحدا تلو الآخر، حتى ظللت أنا وأختي.
فقلت لها همسا: هل تظنين أننا سنعيش حتى تنتهي؟حدقت أختي في السقف لفترة.
أجل، ربما.
أعني كل الأحداث تشير إلى أن الوضع مسالم، والقصف يبتعد، والهدنة بعد يومين فقط، لذا.
أجل، أرجو ذلك.
نظرت لها بهدوء.
هي ليست حتى مقتنعة بما تقوله، لكننا نرجو هذا.
أعني هذا ما يقوله المنطق، وجميع المؤشرات إيجابية حتى الآن.
حسنا، دعنا نترك هذه الأفكار لوقت لاحق، أنا أشعر بالنعاس الشديد، لم أنم جيدا منذ فترة.
اليوم السابع.
الطعام بدأ يصبح شحيحا.
لا نتناول الطعام إلا عندما يشعر الجميع بالجوع، والمياه بدأت تنفد.
لم يتبق سوى قارورة ماء متوسطة الحجم كانت والدتي تخبئها في حقيبة المؤن.
في موعد الغداء بعد أن غربت الشمس، بدأت والدتي توزع الحصص، لكنها كانت أقل بكثير مما كانت عليه في الأيام السابقة.
والدتي أعطت حصتها لأخي، لذا أعطيتها حصتي بعد أن أخذت لقمة واحدة منها.
رفضت والدتي بشدة، لكنني قلت بابتسامة: لا بأس، غدا هو يوم الأحد على أي حال، وسأجعلكم تشترون لي الكثير من الطعام بعد أن تتم الهدنة.
أخي الأحمق لا يزال جائعا، لذا طلب من والدتي المزيد رغم أنه يعلم أنه لا يوجد المزيد.
وأمي أعطته حصتي التي أعطيتها لها، وهذا أغضبني بشدة.
كيف يمكنه أن يكون عديم الحياء لهذه الدرجة؟ صرخت عليه بصوت عال، وهذا أغضب والدي، ثم بدأ في الصراخ علي وتوبيخي فقط كما العادة.
شعرت بالغضب وصرخت: تبا لكم جميعا، أتمنى أن تموتوا أو أموت أنا.
أنا أكرهكم.
تركتهم وتوجهت نحو غرفتي.
أنا أعلم أنها مكان خطر لأنها أقرب إلى الدبابات، وفيها نافذة مفتوحة تطل على الشارع، لكنني لن أتحمل الجلوس معهم، أنا قد أجن إن فعلت.
استلقيت على الأرض.
كم سيكون رائعا إن ولدت في مكان آخر، أعيش حياتي وأجد أشخاصا يحبونني، وأفعل ما أشاء دون ضغوط من أحد، وأدرس دون انقطاع عن المدرسة وفي بيئة نظيفة، وأن أستحم كل يوم وأتناول ما أشاء من الطعام دون القلق من أنه سينتهي.
هذا سيكون رائعا حقا.
خلدت للنوم، ثم استيقظت عند بزوغ الفجر.
وأخيرا إنه يوم الأحد، يجب أن يتوقف كل شيء اليوم.
صوت القنابل يحاول محو أملي، لكنني لن أنتهي بهذه الطريقة.
سأصمد، وسينتهي كل شيء.
فتحت عينيها أخيرا بعد عشرة أيام في الغيبوبة.
حين استيقظت حدقت في الحائط لبرهة، ثم بكت في صمت لفترة طويلة.
حاولت التحدث معها لكنها لا تنظر إلي حتى.
كل ما تفعله هو التحديق في سقف الغرفةكان كل شيء عاديا الآن: القنابل، الرصاص، اهتزاز الأرض من تحرك الدبابات القريبة جدا.
وفجأة، صفير مدو اخترق أذني، والدخان ملأ الغرفة.
شعرت بالخدر في ساقي.
ما الذي دهاني؟ انهضي يا أنا.
انفجار آخر، وصرخة والدتي اخترقت أذني بقوة وجعلتني أنهض باندفاع.
ركضت كما لو كنت ممسوسة.
لا أرى شيئا، لكن لا أستطيع إيقاف قدمي عن الركض.
جسدي يرتجف، وقلبي ينبض بجنون، وأطرافي باردة بالكامل.
انفجار آخر.
الحائط الكبير في الصالة قد سقط بالكامل.
تسرب بعض الضوء من خلال الغبار، يمكنني الرؤية قليلا.
فقدت توازني أثناء الركض وسقطت.
شيء لزج غمر يدي.
رائحة تشبه الحديد الصدئ اخترقت أنفي بعنف.
دماء!تحسست الأرض بجنون حتى لامست أصابعي كتلة ما.
كانت مليئة بهذا السائل اللزج.
ولسخرية القدر انقشع الدخان كأنه يجبرني على رؤية ما يحدث.
أجساد عائلتي ملقاة على الأرض، غارقة بالدماء واللحم المحترق.
رائحة مرة وحلوة دخلت حلقي حين شهقت بقوة: لا لا لا لا، أرجوكم لا، أرجوكم لا تفعلوا هذا.
لا، هذا غير صحيح.
أليس كذلك؟لمحت عيناي ملابس والدي بين كتل اللحم المحترق، غارقة بالدماء وبعضها محترق بالفعل: أبي، لا لا، لا يمكنك فعل هذا، أرجوك، أرجوكم!ركضت بين الجثث ليوقفني أنين خافت.
ركضت نحوه.
أخي الصغير! كان وجهه مشوها، لكن يمكنني سماع أنينه.
جلست بقربه: زين، أنت حي صحيح؟ هذه مزحة أليس كذلك؟ لا يمكن لهذا أن يكون صحيحا.
لا يمكن.
أرجوكم لا.
بكى زين بأنين أعلى: لين، أرجوك، لا أريد أن أموت، أرجوك، لا أريد أن أتألم، هذا مؤلم.
لم أستطع منع نفسي من البكاء بصوت عال ومعانقته: لا تبك، أرجوك، كل هذا مجرد كابوس وسينتهي.
حين توقف عن التنفس شعرت بقلبي يتقطع: أرجوك لا تفعل.
لا يمكن، لا يمكن، مستحيل.
أنا آسفة، أنا حقا آسفة، لم أقصد أن أتمنى منكم، لم أقصد.
أنا.
أنا.
أنا آسفة.
أنا أحبكم.
أرجوكم.
أرجوكم لا تتركوني.
لم أعلم ماذا جرى لي، لكنني نهضت وسط دموعي وارتجاف جسدي، قربت الجثث من بعضها وعانقتهم جميعا: أنا آسفة.
غمر عيني سائل ساخن وتدفق دون إذن مني.
آخر ما أذكره هو معانقتي لعائلتي وتربيتي على رأس زين.
فتحت عينيها أخيرا بعد عشرة أيام في الغيبوبة.
حين استيقظت حدقت في الحائط لبرهة، ثم بكت في صمت لفترة طويلة.
حاولت التحدث معها لكنها لا تنظر إلي حتى.
كل ما تفعله هو التحديق في سقف الغرفة.
ظلت على هذا الحال لثلاثة أيام.
وفي أحد الأيام مررت عليها أثناء دوريتي الليلية المعتادة، وعلى غير العادة كانت جالسة على السرير باعتدال وتحدق في الفراغ.
اقتربت منها بهمسي: عزيزتي؟لم تستجب لي.
مجددا: عزيزتي؟ لا إجابة.
يبدو أنها لا تريد الرد.
هي سليمة دون أي علة في جسدها، وبالتأكيد يمكنها التحدث، لكنها تؤثر الصمت.
هذه قصة طفلة لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها، كانت سليمة جسديا تماما ولا تعاني من أي اضطرابات، لكن الحزن كان ينهش في روحها كالعفن حتى التهمها بالكامل ولم يبق لها سوى جسد فارغفي لحظة واحدة انهارت بالبكاء، ولكنها هذه المرة كانت تشهق بصوت عال وتقول من بين شهقاتها: كله خطئي.
كله خطئي، أنا آسفة، أرجوكم لا تتركوني وحيدة، لا يمكنني العيش، أرجوك يا إلهي، لا تتركني وحيدة هكذا.
كانت تبكي بحرقة جعلت عيني تدمعان.
كانت فتاة جميلة للغاية حتى لمجرد النظر إليها، لكنها فقدت كامل أسرتها ووُجدت ملقاة بين جثثهم معانقة إياهم، والدماء تغطيها بالكامل.
هذا مؤلم، أن تفقد كامل أسرتها قبل بضع دقائق من انتهاء الحرب.
لم أكن أرغب في قول هذا لها، لكن الممرضين تحدثوا بشأن هذا بالقرب منها ظنا منهم أن عقلها لم يعد يعمل.
إنها لا تزال طفلة، لم تكمل ربيعها السادس عشر.
عانقتها.
هذا كل ما أستطيع فعله لأجلها: لا بأس، كل شيء سيكون على ما يرام بإذن الله.
لا تبكي.
بضع لحظات، وعدة شهقات عالية ومتتابعة، حتى سكنت سكونا تاما ومريبا.
حركتها بلطف ونظرت إلى وجهها، لكنها كانت تغمض عينيها، والدموع على وجنتيها لم تجف بعد، وجسدها مرتخ، وابتسامة جميلة تعلو محياها.
ربما كانت أجمل ابتسامة أراها في حياتي.
لقد توفيت.
هذه قصة طفلة لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها، كانت سليمة جسديا تماما ولا تعاني من أي اضطرابات، لكن الحزن كان ينهش في روحها كالعفن حتى التهمها بالكامل ولم يبق لها سوى جسد فارغ.
وها أنا ذا، يسألونني عن حالي اليوم فأجيب: لا جديد سوى رائحة البارود لثمانية أيام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك