هذا المقال دفعني، كسابقه، إلى التفكير أيضًا فيما حدث في مسار الصحافة القومية في العقدين الماضيين، وكيف أن هناك تشابكًا مذهلًا بين قضية تراجع المؤسسات الصحفية القومية من زاوية تطور" الإقطاع الرقمي" وهندسة" الشرق الأوسط الجديد"، وتراجع أوضاع الصحافة وتبدل أحوالها ووقوعها في فخ" الإقطاع الرقمي" أيضًا.
إذ يبدو أن ما حدث في المؤسسات الصحفية عام 2009 كان نتيجة لتحولات شهدتها الصحافة المصرية وأثرت في طبيعة تطورها؛ إذ لم يعد التطور آنذاك مهنيًا بحتًا يتعلق بتطوير وسائل المهنة، وإنما كان التركيز الأكبر على إيجاد سبل لتحسين أحوال الصحفيين، ثم لم يلبث أن نشب" صراع تمثيل أيديولوجي" التقت فيه مصالح" جماعة الإخوان" مع" تيار اليسار" في المؤسسات الصحفية القومية، وداخل أروقة نقابة الصحفيين أيضًا، فيما يمكن تسميته بـ" تحالف الضرورة".
هذا التحالف لم يكن فكريًا، بل كان وظيفيًا بحتًا، تم فيه استخدام النقابة، مثلًا، كمنصة ضغط سياسي، وهو ما ساعد على تفتيت" الكتلة الصلبة" التي سيطر عليها ممثلو الصحف القومية.
وهنا جرى العمل على إضعاف" التيار القومي" داخل المؤسسات القومية وداخل النقابة أيضًا، واستبداله بكتل تصويتية تُدار عبر" روابط مهنية" ظاهرها حقوقي وباطنها تنظيمي، يسيطر عليها الإخوان واليسار لإحداث التغيير فيما بعد عبر استقطاب الصحفيين المستبعدين.
والحقيقة أنه جرى، في الوقت نفسه، استبدال مفهوم" الكفاءة الصحفية والقدرة على التميز بالسبق الصحفي" بمفهوم" الحق في الوصول إلى المعلومة"، وهو ما يمكن أن يندرج تحت تحطيم المفاهيم الكلاسيكية المحافظة للصحافة التقليدية الرصينة.
كما بدأ ينتشر الحديث عن أهمية ضم الصحفيين الإلكترونيين من خارج المؤسسات الرسمية إلى عضوية نقابة الصحفيين، وهو ما شكّل فريقًا صحفيًا واقعًا تحت مشاعر" الاستبعاد"، وهم أولئك الذين انضموا إلى مواقع مستقلة لا تملك موقفًا قانونيًا معترفًا به من النقابة ذاتها، مما مهد الطريق لانتشار هذا النوع من المواقع، وساهم في انتشار السرديات المجزأة أيضًا.
وفي عام 2009، وبينما كانت ردهات المؤسسات الصحفية القومية تشهد صراعات صامتة حول جدوى" الرقمنة"، كانت جماعات الصحفيين المصريين تعيش مخاضًا من نوع آخر.
لم يكن الأمر مجرد سجالات صحفية دورية، بل كان هناك استشراف لمشروع" هندسة الاستبعاد" الذي بدأ يتسلل من مختبرات الأيديولوجيا الغربية إلى قلب العمل الصحفي المصري.
وهنا لم تعد" الخوارزمية" مجرد كود برمجي، بل أصبحت" تكتيكًا تدريبيًا" يهدف إلى عزل الصحافة القومية وتحويل الصحافة إلى ساحة لـ" السيولة السياسية".
وساعد على ذلك تقاطع الأجندات الخاصة بالصحفيين المنتمين إلى تيار الإخوان المسلمين وأولئك المنتمين إلى تيار اليسار؛ فالإخوان مثلًا تولوا الجانب" الخدمي" والسيطرة على الروابط الفرعية، سواء داخل المؤسسات الصحفية أو داخل نقابة الصحفيين، لتشكيل كتلة تصويتية تدين بالولاء للتنظيم لا للمهنة.
أما اليسار فتولى" التنظير الرقمي" واستخدام أدوات" الإقطاع التقني" لترسيخ خطاب الإحباط وتهميش القيادات التاريخية للمؤسسات القومية.
وكثيرًا ما كان يبدو لي أن ما حدث في مسار الصحافة المصرية كان" البروفة" العملية لما تم تطبيقه رقميًا؛ حيث جرى استغلال إحباط أعداد كبيرة من شباب الصحفيين، وتحويل هذا الإحباط عبر" هندسة التدريب" من طاقة إصلاحية إلى أداة في مشروع" الإقطاع الرقمي" الذي يهدف ـ على ما أظن ـ إلى تغييب" الرواية الوطنية الجامعة" لصالح" الهاشتاج" و" التريند" والسيولة السياسية.
كان هذا التناغم يخدم فكرة" تحييد المركز"؛ فالإخوان سعوا لامتلاك أدوات" الحشد" والتغلغل في مفاصل العمل الخدمي داخل المؤسسات الصحفية، بل وداخل النقابة أيضًا لكسب الولاءات، بينما ركز اليسار على" الأدبيات الحقوقية" والمنصات الرقمية الجديدة لتفكيك السردية القومية الرسمية.
والنتيجة أن الصحافة في مصر تحولت شيئًا فشيئًا من كونها حامية لـ" الدقة الصحفية ورصانة المهنة" إلى ساحة لتجربة" الدبلوماسية الرقمية" والضغط السياسي، مما ساعد في عزل الصحافة المصرية عن دورها التنويري لتدخل في صراعات مع الدولة، بل ومع بعض الصحفيين أنفسهم في كثير من الأحيان.
كان ملف" التدريب" هو الثغرة التي نفذ منها" الإقطاع الرقمي الغربي"، مستخدمًا لافتات براقة مثل" صحافة المواطن" و" الأمن الرقمي"، وجرى ضخ تمويلات ضخمة من جهات مانحة مثل مؤسسة" فريدريش ناومان" الألمانية، ومركز" نيلسون مانديلا"، والمعهد الدنماركي المصري للحوار.
كان المُعلن أن هذه الدورات تهدف إلى تطوير مهارات الكتابة الرصينة في المؤسسات التي أصبحت، كما تم الترويج له، تعاني من الجمود الصحفي، مثل مؤسسات" الأهرام" و" الأخبار"، وجاءت هذه الدورات لتركز على خلق" فاعل رقمي" عابر للحدود.
وبرزت في ذلك الوقت أسماء قادت ملف التدريب والروابط المهنية، مشكلةً ما يمكن تسميته بـ" الطبقة الوظيفية" للمشروع الجديد، والتي لعبت دورًا محوريًا في إدارة ملفات التدريب الصحفي والتعاون مع المنظمات الدولية، وركزت على بناء المنصات البديلة والروابط التي تعتمد" حقوق الإنسان" كغطاء للنشاط السياسي الممنهج.
والحقيقة أيضًا أنه كان ـ ولا يزال ـ ملف التدريب الصحفي في مصر يبدو كـ" حصان طروادة" بالفعل، حيث كانت ولا تزال تُعقد العديد من الدورات التدريبية بتمويلات أو شراكات أجنبية لتقديم دورات في" الإعلام البديل" و" الأمن الرقمي" و" صحافة البيانات".
هذه الدورات كانت في الأساس تهدف لرفع كفاءة الصحفي في المؤسسات الصحفية، سواء القومية مثل" الأهرام" أو" الأخبار" أو غيرها، وأيضًا بالكيانات التي ظهرت تحت مسمى" مواقع مستقلة"، إذ كانت تهدف لصناعة صحفي محترف ينافس الصحفي الأجنبي، أو على الأقل يساويه في الخبرة، ويستشرف آفاق التطور في الصحافة العالمية، أو هكذا تم التسويق لتلك الدورات.
لكنها في الوقت نفسه صنعت ما يمكن أن نطلق عليه" الصحفي والمدرب التقني العابر للمؤسسات"، الذي ارتبط بشكل كبير بمن أتاح له التدريب، أو بالرابطة (القبيلة الرقمية)، أكثر من انتمائه للمؤسسة الصحفية التي يعمل بها.
ولعل أخطر ما أنتجه هذا المسار هو استبدال" المسئولية الصحفية" بـ" السيولة الرقمية".
ففي عام 2009، وبدعم مباشر من المركز الدولي للصحفيين (ICFJ)، بدأت تظهر مشاريع" الصحافة الاستقصائية" و" صحافة البيانات"، وهي تبدو ظاهريًا أدوات مهنية، لكن باطنيًا تم استخدامها لتفكيك الثقة في الصحافة المصرية، خاصة صحافة المؤسسات القومية، التي حرصوا على تسميتها بصحافة الدولة.
وأخيرًا، فإنني أظن أنه لا يمكن قراءة هذا التحول في مسار الصحافة في مصر دون النظر إلى ملف التدريب، وإلى تدفقات الأموال تحت مسمى" تطوير الإعلام" من جهات مانحة مثل" مؤسسة فورد" و" صندوق الوقف الوطني للديمقراطية" (NED)، وهي تلك المنظمات التي كانت حاضرة بقوة في تمويل التدريبات التي تلقاها العديد من الصحفيين والنشطاء من الشباب أيضًا في ذلك الوقت.
هذه الأموال أسهمت ـ ربما دون وعي من هؤلاء الشباب ومن الصحفيين أنفسهم أيضًا ـ في تعزيز تطور مسار" الاستقطاب الخوارزمي" في المجتمعات العربية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك