عمان- الشعور بترقّب دائم حتى في غياب أي مبرر واضح، هو وصف للحالة التي تمر بها ريم (29 عاماً)، مبينة أنها تعيش يومها بشكل طبيعي، لكنها تشعر بتوتر خفيف ومستمر.
اضافة اعلانوتضيف أنه حين يرن هاتفها بشكل مفاجئ، يتسارع نبضها قبل أن ترى هوية المتصل، وإذا تأخر رد من شخص مقرب، تبدأ بالتفكير: " هل حدث شيء؟ هل هناك مشكلة؟ "، لكنها تكتشف لاحقاً أن الأمر عادي، في حين يكون فكرها قد دخل بالفعل في حالة تأهب.
وتصف ذلك بقولها: " لا يوجد سبب واضح.
لكني دائماً جاهزة لشيء سيئ".
وفي حالة أخرى، يلاحظ شاب يُدعى محمود علي أنه يفكر طويلاً في قرارات بسيطة، كاختيار موعد، أو إرسال رسالة، أو حتى ترتيب يومه، إذ تتحول هذه التفاصيل إلى سلسلة من الاحتمالات، خشية أن ينسى شيئاً أو يحدث ظرف مفاجئ.
ويقول: " أفكر بكل السيناريوهات وكأن خطأً قد يحدث في أي لحظة، وهذا التفكير يجعلني متعباً، رغم أن يومي عادي ولا يتطلب مجهوداً جسدياً".
أما لينا، فليست أفضل حالاً، إذ تعاني من صعوبة في الاسترخاء حتى في أوقات الراحة، فعندما تجلس لمشاهدة فيلم، حتى وإن كان كوميدياً، تبقى في حالة شد، وتتفقد هاتفها باستمرار.
وتقول: " لا أستطيع إطفاء عقلي حتى عند النوم، أسترجع أحداث اليوم وأفكر في الغد دون سبب محدد، فأستيقظ متعبة وكأني لم أنم دقيقة واحدة".
وتعكس هذه الحالات كيف يمكن أن يعيش الشخص في حالة استعداد دائم، رغم عدم وجود خطر فعلي، في حين يتصرف العقل والجسد كما لو أن شيئاً قد يحدث في أي لحظة.
ويبين خبراء في علم النفس أنه في الآونة الأخيرة، يعاني كثيرون من حالة توتر بلا سبب واضح؛ فلا يوجد حدث محدد أو مشكلة مباشرة، ومع ذلك يبقى الشعور بالاستعداد حاضراً، وكأن شيئاً ما قد يحدث في أي لحظة.
ويشيرون إلى أن هؤلاء يمارسون يومهم بشكل طبيعي، لكنهم داخلياً في حالة دفاع مستمر؛ يراقبون، ويفكرون ويتوقعون، حتى إن القرارات البسيطة قد تتحول إلى مساحة للتفكير الزائد، وكأن العقل يحاول استباق جميع الاحتمالات.
من جانبها تؤكد المرشدة النفسية والتربوية رائدة الكيلاني، أن هذه الحالة تظهر في تفاصيل صغيرة من الحياة اليومية، كشعور خفيف بعدم الارتياح من دون سبب محدد، أو مع صعوبة في الوصول إلى استرخاء كامل، أو ظهور ردود فعل أسرع من المعتاد تجاه مواقف عادية.
وتضيف أن البعض يميل أيضاً إلى توقع الأسوأ، ليس لوجود خطر فعلي، بل لأن الذهن اعتاد البقاء في حالة تأهب، وكأن العقل لا يسمح لنفسه بالهدوء الكامل، فيستمر بالبحث عن إشارات تستدعي الحذر.
وتوضح الكيلاني أن هذه الحالة غالباً لا ترتبط بحدث واحد، بل تتشكل نتيجة تراكم ضغوط وتجارب متعددة، مثل تسارع الأخبار، والضغوط اليومية، والقلق العام، أو تجارب سابقة، ما يدفع الإنسان للبقاء في حالة تأهب دائمة.
ومع الوقت يصبح هذا النمط شبه تلقائي، فيبقى الجسد والعقل في وضع استعداد حتى في الأوقات العادية.
وتبين أن هذه الحالة لا تنتهي عند النوم، بل تنعكس عليه وعلى مستوى التركيز، قائلة: " يواجه الشخص صعوبة في النوم رغم التعب، أو يستيقظ وهو يشعر بعدم الراحة، ويستمر التفكير حتى في اللحظات التي يفترض أن تكون هادئة، ويتراجع التركيز، ويظهر شعور دائم بتشتت الذهن.
لا يكون هناك سبب واضح، لكن الإحساس الداخلي يوحي بأن الهدوء غير مكتمل".
ويفسر علم النفس هذه الحالة بما يعرف بـ" حالة التأهب الدائم" أو" فرط اليقظة"، وهي حالة يكون فيها العقل والجهاز العصبي في وضع مراقبة مستمرة، حتى في غياب خطر حقيقي.
وتظهر دراسات أن الدماغ يتصرف وكأنه ينتظر حدثاً مقلقاً، فيبقى الشخص في حالة توتر خفيف لكنها مستمرة، ويتجلى ذلك في صعوبة الاسترخاء، والانتباه الزائد للتفاصيل، وردود الفعل السريعة، والشعور بأن الهدوء غير مكتمل حتى في الأوقات العادية، وهي حالة قد لا تكون واعية، بل تعمل كخلفية نفسية مستمرة.
وتوضح الكيلاني أن هذه الحالة تسمى" القلق التوقعي"، مشيرة إلى وجود طرق يمكن من خلالها التخفيف منها، مثل التقرب من صديق أو شخص موثوق والحديث معه، إذ تسهم الفضفضة والمساندة في تخفيف هذا الحمل عن العقل.
كما أن التدريب على التنفس الجيد، رغم صعوبته في البداية، يمكن أن يحدث فرقاً في تخفيف حالة التأهب ومنح الجسد قدراً من الراحة.
وتؤكد أن هذه المشاعر تتشكل نتيجة تراكم الضغوط، وليس بسبب تجربة واحدة، وبالتالي فإن التخلص منها يكون أيضاً بشكل تدريجي وتراكمي.
بدوره، يؤكد اختصاصي الطب العام والأسرة الدكتور مخلص مزاهرة أن الجانب النفسي والجسدي لا يمكن فصلهما عن بعضهما.
ويبين أن هذا الوضع اليقظ يؤثر على نمط النوم والتركيز والشعور العام بالراحة؛ فالشخص الذي يواجه صعوبة في النوم رغم التعب، أو يستيقظ وهو يشعر بعدم الارتياح، ويستمر تفكيره حتى في أوقات الراحة، ويتراجع تركيزه بسبب انشغال ذهنه بمراقبة الاحتمالات، لا يعني ذلك بالضرورة وجود اضطراب نفسي، لكنه يشير إلى أن الجهاز العصبي يعمل لفترة طويلة في وضع الحذر، ما يخلق شعوراً دائماً بالتوتر الخفيف والاستعداد الداخلي.
وهذه الحالة، حسب مزاهرة، تؤثر على الجسم والنوم.
ومن الناحية الطبية، يوضح أن البقاء في حالة تأهب مستمر يعني أن الجهاز العصبي لا ينتقل بسهولة إلى وضع الراحة.
فعندما يشعر الدماغ بوجود تهديد محتمل، حتى وإن لم يكن واضحاً، يبقى الجسم في حالة تنشيط خفيفة لهرمونات التوتر، مثل الكورتيزول والأدرينالين.
وهذه الهرمونات تكون مفيدة في الحالات الطارئة، لكنها عندما تبقى مرتفعة لفترة طويلة، تؤثر على وظائف الجسم اليومية.
ويبين أن تأثير ذلك يظهر أولاً على النوم؛ فحتى في حال النوم، يكون خفيفاً ومتقطعاً، مع استيقاظ متكرر أو شعور بعدم الراحة صباحاً.
كما أن التفكير المستمر قبل النوم يبقي العقل في حالة نشاط، ما يؤخر الوصول إلى مرحلة النوم العميق، وهي المرحلة المسؤولة عن استعادة الطاقة الجسدية.
ويشير مزاهرة إلى أن أعراض هذه الحالة تظهر جسدياً بطرق مختلفة، مثل الشعور بشد عضلي مستمر، خصوصاً في منطقة الرقبة والكتفين، نتيجة بقاء العضلات في حالة استعداد، إلى جانب تسارع خفيف في نبضات القلب، أو تنفس سطحي، أو شعور بالإجهاد حتى دون بذل مجهود كبير.
كما قد يعاني البعض من صداع متكرر أو تعب عام، بسبب عدم حصول الجسم على الراحة الكافية.
وفي ختام حديثه، ينوه أن المشكلة من الناحية الطبية لا تكمن في لحظات التوتر القصيرة، بل في استمرارها؛ فعندما يبقى الجسم لفترة طويلة في وضع الحذر، لا يحصل على الوقت الكافي للانتقال إلى حالة الاسترخاء وإعادة التوازن.
لذلك يشعر الشخص بالتعب حتى دون القيام بأي نشاط، ويستيقظ وكأنه لم ينم بشكل كاف، رغم قضائه ساعات في السرير، إذ يبقى الجسم، بحالته العصبية، في وضعية دفاع مستمرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك