تشهد الساحة الداخلية الإيرانية أزمة اتخاذ قرار كبيرة في ظل امتداد الفجوة العميقة التي تشكّلت بين منطق الدبلوماسية ومنطق الميدان داخل البنية السياسية في إيران، ويمكن ملاحظة مؤشرات على تصاعد مواجهة أكثر جدية، بل ربما أكثر حسمًا، على مستوى الإعلام والقوة الناعمة؛ حيث تحوّل" صدا وسيما" بوصفه آخر معاقل التيار المتشدد، إلى الأداة الرئيسية لدفع خطاب خطير ذي طابع كارثي.
هذا التيار الذي استفاد لسنوات من شبكة معقدة من النفوذ والسلطة، يبدو اليوم أن نطاق أدواته قد تقلّص بشكل كبير، وأصبح أكثر اعتماداً من أي وقت مضى على المنابر الإعلامية.
هذا التيار، المرتبط بدائرة قريبة من سعيد جليلي وشخصيات تعمل في الظل، لم يعد يمتلك ذلك الوزن والتأثير السابقين داخل البنية الرسمية للسلطة.
فحلقته الصاخبة في البرلمان، التي تشكّلت بمشاركة محدودة، فقدت عمليًا قدرتها على التأثير الفعّال، وأصبح صداها يتردد في الضجيج الإعلامي أكثر مما يُسمع في دوائر صنع القرار.
ولو كان هذا التيار لا يزال يمتلك القوة الحقيقية، لما احتاج إلى هذا المستوى من التهديدات الإعلامية والحرب النفسية عبر" صدا وسيما" ووسائل الإعلام القريبة من الأجهزة الأمنية.
ويمكن ملاحظة مثال واضح على هذا الواقع في طريقة صياغة وكالة" تسنيم" للأخبار، حيث تُعلن بنبرة حاسمة أن إيران لا تنوي المشاركة في المفاوضات، وتصفها بأنها مجرد عرض من قبل الولايات المتحدة.
وذلك في وقت تشير فيه التحركات والمؤشرات الدبلوماسية إلى أن باب الحوار لا يزال مفتوحًا، وأن احتمال تغيير القرار على مستويات أعلى قائم.
هذا التناقض في الرسائل يعكس، أكثر من أي شيء، صراع روايتين وإرادتين داخل السلطة، وليس قرارًا موحدًا ونهائيًا.
في المقابل، يتشكّل خطاب آخر يمكن وصفه بالواقعي والقائم على حساب الكلفة والفائدة.
هذا الخطاب، الذي يرتبط بشخصيات مثل محمد باقر قاليباف وجزء من التيار التكنوقراطي والمعتدل، يسعى إلى الابتعاد عن الأجواء العاطفية عالية المخاطر، واقتراح مسار مختلف قائم على إدراك توازن القوى الحقيقي.
وقد حملت عبارة قاليباف الأساسية، التي أكد فيها أن إيران لا تمتلك تفوقًا عسكريًا مطلقًا على الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم ما تبعها من توضيحات، رسالة واضحة مفادها أن زمن القرارات الخطرة القائمة على وهم التفوق قد انتهى، وأنه يجب الانتباه إلى حقائق الميدان.
هذه العبارة لم تكن مجرد تحليل عسكري، بل شكلت أيضًا نقدًا ضمنيًا للخطاب السائد في الإعلام الرسمي، الذي يميل إلى المبالغة في القدرات وتبسيط تعقيدات الحرب، بما يدفع الرأي العام نحو تقبّل مخاطر كبيرة.
وقد أظهرت ردود الفعل الحادة على هذه التصريحات أن هذا الانقسام ليس مجرد اختلاف في الرأي، بل هو صراع حقيقي حول تعريف الواقع واتجاه المستقبل.
في مثل هذه الظروف، لا يُقاس الوزن الحقيقي لهذين الخطابين عبر الخطب أو العناوين الإعلامية، بل من خلال القرار الذي قد يُتخذ خلال الساعات المقبلة.
فإذا دخل الوفد الإيراني إلى إسلام آباد، فسيعني ذلك رجحانًا نسبيًا لخطاب الدبلوماسية وقبولًا بضرورة التفاوض؛ وهو قرار قد يتجاوز السياسة الخارجية ليشكّل بداية تحول مهم في أسلوب إدارة السياسة داخل البلاد.
أما إذا لم يتحقق هذا الحضور واستمر مسار التصعيد، فسيُعدّ ذلك مؤشرًا على استمرار نفوذ خطاب الميدان وانتصارًا مؤقتًا للتيار المتشدد؛ تيار لا يزال يقرع طبول الحرب رغم وضوح كلفتها على البلاد.
خلاصة القول إن الجمهورية الإسلامية تقف عند واحدة من أكثر لحظاتها حساسية، فالقرار الذي سيتخذ اليوم أو غدًا لا يتعلق فقط بالمشاركة أو عدم المشاركة في مفاوضات، بل يحدد مسار مستقبل نظام سياسي يقف عند مفترق طرق خطير: إما مواصلة نهج التصعيد المكلف، أو الدخول في مرحلة جديدة من الواقعية.
ويبقى السؤال الأخير: هل سيحدث هذا التحول؟ وهل نحن أمام بداية مرحلة جديدة في السياسة الداخلية والخارجية لإيران، أم أن الصوت الأعلى سيحل مرة أخرى محل القرار الصائب؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك