لفَتَ انتباهي مشهد بسيط كشف ما نحاول تجاهله طويلًا، ووضع أمامي صورة واضحة، فأنا كنتُ أقدِّم لابني نصائح أعرف أنَّه سمعها من قَبل، فيراوغ بحجج واهية يلوِّنها بثقة المراهق، ألتقطها بسهولة ولا أجادله، أكتفي بنظرة ذات مغزى أقول بها: أنا أعرفك وأفهمك.
لكن لا أدري لماذا في تلك اللحظة استحضرتُ صورة والدي ـ رحمه الله ـ النظرة ذاتها، الصَّمْت ذاته؟ ولكن كانت مشاعري أنا مختلفة، فأنا يومها ظننتُ أنَّني انتصرتُ عليه بخفَّة الحيلة، وكان يملؤني زهو مراهق يرى نفْسه أذكى من كُلِّ ما حَوْلَه، أتذكر كيف كنتُ ألومُه بحدَّة وأحاكمه بغضب بمنطق بسيط لا يرى التعقيد، فأنا كنتُ أرى الدنيا لونين فقط أبيض وأسود، لكن اليوم أجدُني أعيدُ الجملة نفْسها الَّتي كان والدي ينصحني بها، والغريب أنَّني أستخدم النَّبرة نفْسها، وكأنَّ الزمن ينسخنا بهدوء، فأفْهَمُ أنَّ ما جرى لم يكُنْ صراع جيلين بقدر ما هو مواجهة بَيْنَ مرحلتيْنِ عمريَّتيْنِ، لكُلٍّ منهما منطقه وإيقاعه الخاص به، حيثُ يرى المراهق العالم مساحةً مفتوحة لإثبات الذَّات وكسر الحدود، بَيْنَما يراه الأب شبكة من النتائج الَّتي لا ترى في لحظتها، فيحاول أن يختصر الطريق بنصيحة تختصر معه سنوات من التجربة، فيساء فَهْمه، وتقرأ كلماته على أنَّها قيد، بَيْنَما هي في حقيقتها محاولة لتقليل الخسائر، وهنا تتبدل زاوية النظر داخلي بهدوء، فأدرك أنَّني لم أكُنْ أختلف مع والدي بقدر ما كنتُ أعيش المرحلة الَّتي تفرض هذا الاختلاف، وأنَّ ما ظننتُه يومًا انتصارًا كان مجرَّد جهل بتعقيد لم أكُن قد اختبرته بعد.
لقد اكتشفتُ ـ مع مرور الوقت ـ أنَّ التحوُّل لا يحدُث بشكلٍ كامل، ولا بقرار واعٍ يُمكِن رصده، هو أشْبَه بانزلاق هادئ داخل مسارات لم نكُنْ ننتبه لها، حيثُ تتراكم المسؤوليَّات وتتغيَّر الأولويَّات، ويتبدل إيقاع الحياة من اندفاع هناك مَن يتحمل عواقبه غيري، إلى حساب لأيِّ هفوة يرتكبها مَن أنا مسؤول عنهم، تحوّل أُسلوب من رغبة في التجربة إلى حرص على النتائج.
وهنا يبدأ الإنسان في إعادة تعريف نفْسه دُونَ أن يعلنَ ذلك، فيتخلى تدريجيًّا عن تلك الحدَّة الَّتي كان يرى بها العالم، ويكتشف أنَّ الأمور الَّتي بدتْ له يومًا محسومة، كانت تحمل وجوهًا أخرى لم يرَها، وأنَّ هناك ألوانًا كثيرة غير الأبيض والأسود، وأنَّ الأحكام، الَّتي كنتُ أطلقها بثقة المراهق والشَّاب ذات الفتوة، كانت تفتقر إلى تجربة لم أعشْها بعد، فيتحول الرَّفض القديم إلى تفهُّم، ويتحول النَّقد إلى صمتٍ، ويُصبح ما كان يراه ضعفًا نوعًا من الحكمة، فيدرك أنَّ الإنسان لا يغيِّر قناعاته بقدر ما تُعِيدُ الظروف ترتيبها داخله، وأنَّ ما كنَّا نظنُّه ثباتًا في المواقف، كان في حقيقته مرحلة لم تكتملْ بعد.
يتقدم هذا التحوُّل خطوة أخرى عندما تبدأ الذاكرة في إعادة تقديم نفْسها بصورة مختلفة، حيثُ تعود مواقف قديمة كانت محسومة في وعيك، لِتفتحَ بابًا جديدًا للفهمِ، فتتذكر كلمات قيلتْ لك بنبرةٍ لم تكُنْ تعجبك، أو قرارات بدتْ قاسية في وقتها، فتكتشف أنَّها كانت محمَّلةً بخبرة أنتَ لم تستوعبْها، وأنَّ تلك المسافة الَّتي كنتَ تراها بَيْنَك وبَيْنَ مَن سبقك، هي لا تزيد عن كونها فرقًا في التوقيت، وأنَّ ما عددته يومًا تضييقًا كان يحمل داخله حرصًا، وما قرأته على أنَّه صمتٌ كان محاولة لتجنُّب صدام لا طائل منه، حنو أبوي لكن بطريقته.
وهنا يظهر ثقل الفَهْم المتأخر، فهو لا يمنحك فرصة التعديل، فتدرك أنَّ الزمن لا يُعِيدُ المشهد، وإلَّا كنتَ قادرًا على تعديل ما فاتَك، لكنَّه يُعِيد تفسيره.
تتَّجه الفكرة في نهايتها إلى مساحة أوسع من استرجاع أو مقارنة، فنحن هنا لا نستعيد ذكريات، ولا نُعِيد سرد علاقة بَيْنَ أبٍ وابن، نحن أمام مراجعة واسعة للذَّات تكشف كيف تتشكل قناعاتنا مع الزمن، وكيف نُعِيد ترتيب أحكامنا دُونَ أن نشعر، حيثُ يتحول السؤال من فهمِ الآخرين إلى فهمِ أنْفُسنا، وهل كنَّا نملك يومًا القدرة الحقيقيَّة على الحكم؟ أم كنَّا نرى العالم من زاوية ضيِّقة فرضَتْها المرحلة الَّتي نعيشها؟ وهنا يدرك الإنسان أنَّ التجربة أكبر من وسيلة للفهمِ، إنَّها شرط أساس له، وأنَّ ما كان يبدو له واضحًا في الماضي، كان يحتاج إلى زمن لِيكشفَ أبعاده، فتتغير الأحكام بهدوء دُونَ إعلان، ويُصبح الصَّمت أكثر حضورًا من النقد، وتتراجع الرغبة في التصنيف الحادِّ بَيْنَ صواب وخطأ؛ لأنَّ الحياة تكشف أنَّ كُلَّ موقف يحمل أكثر من وجهٍ، وأنَّ كُلَّ قرار يرتبط بظروفه، لِتبقَى الخلاصة، في كم من الأحكام الَّتي أطلقناها بثقة، نُعِيد النظر فيها اليوم ونحن نقف في نفْس المكان الَّذي وقف فيه مَن حكمنا عليهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك