لا شك أن للصفا والمروة أهمية عظيمة في نفوس العرب ومكانة كبيرة في تاريخ المسلمين، بل وفي تاريخ البشرية كلها، فهما من الآثار العظيمة والمشاعر المقدسة، والذكريات التاريخية التي خلدها الإسلام في كتابه العزيز، وفرض على المسلمين السعي بينهما والوقوف عليهما تخليدا لذكرى وقوف آدم وحواء عليهما، كما جاء في بعض الأخبار، وشكرًا لنعمة الله تعالى على هاجر وابنها إسماعيل عليهما السلام وعلى البشرية من بعدهما، عندما نبع ماء زمزم لهاجر بعد سعيها سبع مرات بين الصفا والمروة.
ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: أن هاجر أم إسماعيل لما تركها إبراهيم بموضع مكة ومعها ابنها إسماعيل وهو رضيع وترك لها جرابا من تمر وسقاء فيه ماء، فلما نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل يليها فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا فهبطت من الصفا وأتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: فلذلك سعى الناس بينهما.
فسمعت صوتا فقالت في نفسها: صه، ثم تسمعت فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غُوَاثٌ، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه حتى ظهر الماء، فشربت وأرضعت ولده.
الصفا والمروة وسر التسميةقال صاحب تفسير التحرير والتنوير: الصفا والمروة اسم لجبلين صغيرين متقابلين، فأما الصفا فرأس نهاية جبل أبي قبيس وأما المروة فرأس منتهى جبل قُعَيقِعَانَ، وسمي الصفا لأن حجارته من الصفا وهو الحجر الأملس الصلب، وسمي المروة مروة لأن حجارتها من المرو، وهي الحجارة البيضاء اللينة التي توري النار.
وذكر القرطبي رحمه الله سببًا آخر للتسمية فقال في تفسيره: أصل الصفا في اللغة الحجر الأملس وهو جبل بمكة معروف، وكذلك المروة جبل أيضًا.
وذكر الصفا لأن آدم المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقف عليه فسمي به، ووقفت حواء على المروة فسميت باسم المرأة فأنثت لذلك.
والله أعلم.
حكم السعي بين الصفا والمروةقال الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم} (البقرة: 158).
الحديث عن {الصفا والمروة} كشعيرة من شعائر الحج تنظمه النقاط التالية:أولًا: روى البخاري عن عاصم بن سليمان، قال: سألت أنس بن مالك عن الصفا والمروة، فقال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله عز وجل: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما}.
وروى الترمذي عن عروة قال: (قلت لعائشة: ما أرى على أحد لم يطف بين الصفا والمروة شيئًا، وما أبالي ألا أطوف بينهما.
فقالت: بئس ما قلت يا ابن أختي! طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطاف المسلمون، وإنما كان من أهلَّ لمناة الطاغية، لا يطوفون بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: {فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما}، ولو كانت كما تقول لكانت: (فلا جناح عليه ألا يطوف بهما).
قال الزهري: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فأعجبه ذلك، وقال: إن هذا لعلم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك