ثمة لحظة لا يتنبه إليها أحد، تحدث في صمت تام، بلا إعلان ولا طلاق ولا انهيار مرئي؛ لحظة يتحول فيها البيت من موطن إلى مكان، ومن سكن إلى إقامة، ومن جمع إلى تجاور؛ لا تسقط الجدران، ولا يُكتب في الوثائق شيء، لكن شيئاً ما يموت في الداخل بهدوء تام؛ يجلس الأب في جزيرته، والأم في جزيرتها، والابن في جزيرته، والابنة في جزيرتها، وتمتلئ الغرف بالأجساد، وتخلو من الأرواح؛ هذه هي نهاية الأسرة التي لا يُحكى عنها كثيراً: ليست نهاية الشكل، بل نهاية المعنى.
وما يُقلقني أن هذه النهاية لا تحدث دائماً من تلقاء نفسها.
لم تكن الأسرة في التصور القرآني والحضاري العميق مجرد وحدة لضبط النسب أو توزيع الميراث أو تنظيم السكن؛ كانت، قبل كل ذلك وبعده، ما أسميه «المناخ الوجودي الأول»؛ المجال الذي يشعر فيه الإنسان لأول مرة بأنه مقبول قبل أن يصير نافعاً، ومحبوب قبل أن يصير ناجحاً، ومفهوم قبل أن يصير مؤثراً.
في هذا المناخ تتشكل اللغة العاطفية الأولى للإنسان، وتترسخ أولى خبراته بالرحمة والأمان والانتماء.
لهذا جاء القرآن الكريم يصف العلاقة الزوجية في آية واحدة جمعت ما لم يجمعه علم الاجتماع كله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
لاحظ أن الله -سبحانه وتعالى- لم يقل «لتسكنوا معها»، بل قال «لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا»؛ وفي هذا الحرف الصغير فلسفة عظيمة: السكن ليس مجاورة مكانية، بل هو انسياب نفسي واطمئنان وجودي، هو أن تجد في الآخر ما يُهدئ القلق ويُرمّم الجراح ويُعيد للروح توازنها؛ والمودة والرحمة ليستا صفتين عاطفيتين فحسب، بل هما بنية المعنى الداخلية للأسرة، التي إذا انهارت انهار معها كل شيء وإن بقى السقف واحداً.
وحين وصف حضرة النبي صلى الله عليه وسلم العلاقة بين أفراد المجتمع، ضرب مثلاً بالجسد الواحد: «مَثَلُ المؤمنين في تَوادِّهم وتَراحُمِهم وتَعاطُفِهم مَثَلُ الجسد»، فكانت الأسرة هي المختبر الأول لهذا التوادّ والتراحم والتعاطف، وكانت هي المجال الذي يتعلم فيه الإنسان أن يُعطي قبل أن يطلب، وأن يُصغي قبل أن يتكلم، وأن يجبر خاطر الآخر قبل أن يشكو خاطره.
لكن ما يحدث اليوم، في المشهد المعاصر بكل تحولاته، هو أن الأسرة بدأت تفقد هذا الجوهر تدريجياً وتتحول إلى صورة بلا روح وجمع بلا جامعة؛ وحين أتأمل هذا التحول بعمق، لا أستطيع أن أقول بيقين إنه مجرد نتاج طبيعي لتطور الحياة وتسارعها.
ثمة ما هو أعمق من ذلك يستحق التأمل الهادئ؛ فإن من تتبع مسارات الفكر الحديث في عدد من المدارس الاجتماعية والفلسفية الغربية يجد فيها توجهاً واضحاً نحو تفكيك الأسرة باعتبارها «بنية سلطوية» أو «قيداً على الحرية الفردية»، مع تقديم الفردانية المطلقة باعتبارها أعلى قيمة إنسانية.
وتسرّبت هذه الرؤية عبر قنوات متعددة إلى ثقافتنا المعاصرة؛ في التشريعات الدولية، وفي الخطاب الإعلامي، وفي كثير من المنتجات الثقافية.
لست هنا في مقام كشف تآمر أو توصيف جنائي، لكنني أقول في فهم حضاري: حين يُضعف وعاء المعنى الأول في حياة الإنسان، حين تُفكَّك الأسرة وتُنزَع منها قدسيتها وجوهرها، يصبح الإنسان أكثر هشاشة وأسهل استقطاباً، لأنه يبحث عمّا فُقد منه في مجالات بديلة قد لا تمنحه المعنى الحقيقي؛ والإنسان الهش سوق مفتوحة: للأيديولوجيات المتطرفة، وللاستهلاك المفرِط، وللانتماءات الزائفة، وهذا ليس استنتاجاً مني فحسب، بل هو ما أشارت إليه أعمق النظريات النفسية في القرن العشرين حين ربطت اضطراب الهوية بخلل العلاقات الأولى داخل الأسرة.
وربما في أكثر الأحيان، تبقى الأسرة قائمة من الشكل لكنها تنتهي من المعنى؛ يجتمع أفرادها على مائدة واحدة لكن لا يتبادلون كلاماً حقيقياً، يسكنون تحت سقف واحد لكن كلٌّ منهم يسكن عالماً منفصلاً؛ يتحدثون لكنهم لا يُصغون؛ الأبوة تتقلص إلى توفير أموال والأمومة تنكمش إلى رعاية احتياجات، وحضور الجهاز يحل محل حضور الوجه، وهذا بالضبط ما حذّر منه الإسلام حين أمر بالقوامة والمودة والمعاشرة بالمعروف، فـ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ليست مجرد آداب سلوكية، بل هي دستور للحضور الإنساني داخل البيت؛ فالمعاشرة تعني المشاركة في العيش معنىً لا مجرد مشاركة في السكن مكاناً؛ فقد تجتمع الأسرة في البيت لكنها تتفكك في المعنى، ويبقى السقف واحداً لكن القلوب تصبح جزراً منفصلة.
ما ينشأ خلف هذه الأبواب المغلقة على عزلتها هو إنسان هش من الداخل؛ إنسان تربّى دون أن يتعلم الرحمة بالممارسة، ودون أن يختبر الأمان باعتباره أصلاً لا منحة، ودون أن يعرف معنى «نحن» قبل أن يتضخم فيه «أنا»؛ هذا الإنسان حين يخرج إلى المجتمع يحمل معه خريطة مشوهة للعلاقة مع الآخر؛ يعجز عن الثقة لأنه لم يتعلمها أولاً، ويجد صعوبة في الانتماء لأن أول تجربة انتماء كانت فارغة من الدفء.
وأشد ما يستوقفني في هذا السياق أن التدين نفسه يُصاب باختلال عميق حين تضعف الأسرة؛ فالإنسان الذي لا يتربى على الرحمة والاحتواء داخل بيته يصبح أكثر عرضة لتديُّن شكلي بلا عمق، أو لتشدد ناتج عن جفاف وجداني، أو لانقطاع حاد بين الدين وتفاصيل الحياة؛ وقد أدرك علماء التربية الإسلامية هذا الترابط منذ القدم، فكان التأديب المنزلي في أصوله تأديباً بالنموذج لا بالقسر، وبالحب لا بالترهيب فقط.
وهنا يتكشّف الترابط العضوي بين هذه الحلقة وما سبقها في سلسلة النهايات الخمس؛ حين ضعفت اللغة، ضعفت أيضاً قدرة أفراد الأسرة على التعبير الصادق عن وجعهم وحاجتهم وحبهم، فلم يعودوا يجدون الكلمات التي تبني الجسور الداخلية فاستعاضوا عنها بالصمت أو بالكلام الذي لا يصل، وحين اندثر التراث، فقد البيت ذاكرته الجمعية وطقوسه الدافئة ورموزه التي كانت تمنح الاجتماع روحاً؛ تلك السهرة التي تتوارثها الأجيال، وذلك الحكي الذي يصل الحاضر بالماضي، وتلك العبارات التي تُقال في المواسم والمآتم والأفراح فتُذكّر الجميع بأنهم ينتمون إلى شيء أكبر منهم، وحين تحوّل الدين إلى طقس، خسر البيت روحه الرحيمة التي كانت تجعل من الصلاة المشتركة حضوراً لا مجرد أداء، تتجمع هذه النهايات لتصنع نهاية الأسرة، وتتجمع نهاية الأسرة لتصنع إنساناً مكسور التكوين؛ وإذا كان المجتمع لا يُبنى فقط من أفراده بل من نوعية التكوين الذي تلقّوه في أسرهم، فإن الدولة نفسها ستجد نفسها أمام مأزق حضاري حقيقي: كيف تُرسّخ قيمة المشترك في مجتمع خرج أفراده من بيوتهم بلا خبرة حقيقية بمعنى «معاً»؟غير أن ثمة ما أريد قوله بوضوح وأنا أتناول هذه المسألة في سياقنا المصري تحديداً.
نعم، الأسرة المصرية تأثرت بكل هذه التحولات، وخفتت فيها روابط كانت أكثر ألقاً، لكنها لم تسقط، ولم تستسلم؛ لا يزال في النسيج المصري الاجتماعي شيء عصيّ على الكسر؛ تلك اللُّحمة التي تظهر في أوقات المحن، وذلك الالتزام الفطري بالبر والصلة الذي لم تمحُه الضغوط بعد.
المجتمع المصري يحمل في عمقه موروثاً حضارياً وإيمانياً يجعله يعود إلى أصوله حين يشتد الضغط؛ والذي يمنحني الأمل أن الأسرة المصرية حين تبحث عن الحل لا تجده في الحداثة السائلة، بل تجده حين تعود إلى عمق روابطها؛ إلى صلة الرحم التي حثّ عليها حضرة النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يُبسَط له في رزقه وأن يُنسأ له في أثره فليصل رحمه»، القضية ليست البكاء على شكل قديم، بل استعادة المعنى الذي كان يمنح تلك الصورة قدرتها على بناء الإنسان؛ فإنقاذ الأسرة لا يبدأ بالمراسيم ولا بالشكاوى وإن كان لكل ذلك موضعه؛ يبدأ بمسارات معرفية وعملية يمكن تلخيصها على النحو الآتي:أولاً: إعادة تعريف السكن: أن يُدرك كل فرد في الأسرة أن البيت ليس مكاناً يُعاد إليه للنوم، بل موطن للسكن الروحي، وهذا يبدأ بقرار واعٍ يتخذه الأب والأم أن يكونا «حاضرَين» حقاً لا موجودَين فقط؛ حاضرَين بالإصغاء، وبالنظرة، وبالكلمة التي تُرمّم.
ثانياً: إحياء المجلس الجامع: أن يكون في البيت وقت يلتقي فيه الجميع بلا شاشات ولا مشتتات؛ مجلس للحكي والضحك والحوار الحقيقي، وهو ما كان يُسمّى قديماً «الأنس»، ذلك الدفء البسيط الذي يُشار إليه في الوحي الشريف أن الله جعل الليل سكناً، فالليل في البيت الحي فرصة للاجتماع لا لمزيد من الانفصال.
ثالثاً: تجديد النية في الحياة الأسرية: أن يُعاد تأطير العلاقة الأسرية من «وظيفة» إلى «عبادة»، إذ قال حضرة النبي صلى عليه وسلم: «وفي بُضع أحدكم صدقة»، وعدّ الإنفاق على الأهل من أعلى درجات الصدقة: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك؛ أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك»؛ حين تصبح الرحمة داخل البيت عبادة، ترتفع قيمتها في وجدان الإنسان حيث يرى البيت كمحراب يتعبد فيه لله سبحانه وتعالى.
رابعاً: تربية الأجيال على معنى «نحن»: أن يُغرس في الأبناء الإحساس بالانتماء الأسري باعتباره هوية لا عبئاً؛ بالحكي عن الأجداد، وبصلة الأرحام المستمرة، وبإحياء الذاكرة الجمعية التي تُبيّن للطفل أنه جزء من قصة أكبر منه وأجمل.
خامساً: الوعي بالتأثيرات الخارجية: أن يُدرك الآباء أن ثمة رياحاً ثقافية وإعلامية تسعى باستمرار إلى تقديم الفردانية المطلقة باعتبارها تحرراً، والروابط الأسرية باعتبارها قيوداً؛ وهذا الوعي ليس وسواساً أو توجساً، بل هو بصيرة حضارية ضرورية.
وحين نصل إلى هذا الفهم يتضح لنا أن النهايات الخمس التي تتضمنها هذه السلسلة ليست نهايات لمجالات منفصلة، بل هي وجوه متعددة لانهيار المعنى في الإنسان المعاصر؛ فإذا فُقدت اللغة والتراث والدين والأسرة، لم يعد أمام المجتمع شيء يحمي به توازنه العام، ولم يعد أمام الدولة إنسان سوي قادر على بناء عمران حقيقي.
وفي الجزء التالي سنقف أمام السؤال الأكبر: حين يخرج الإنسان من أسرته مكسور المعنى بارد الشعور ضعيف الانتماء، ويتجمع هؤلاء ليكوّنوا مجتمعاً ثم دولة؛ فأي دولة يمكن أن تُبنى، وأي حماية يمكن أن تُقدَّم لمجال عام يسكنه إنسان لم يتعلم قط ما معنى أن يكون مع الآخر؟ هذا هو سؤال «نهاية الدولة»، وهو السؤال الذي لا يُفهم إلا بعد أن نفهم ما قبله!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك