الرباط ـ «القدس العربي»: مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في المغرب، بدأت ملامح السباق الانتخابي تتشكل مبكرا، في ظل تحركات متسارعة للأحزاب السياسية لإعداد لوائحها وضبط اختياراتها، وسط نقاش متجدد حول معايير الترشيح وحدود تجديد النخب السياسية.
في هذا السياق، أعلنت الأمانة العامة لحزب «العدالة والتنمية» عن الشروع في عملية تزكية وكلاء اللوائح في 40 دائرة انتخابية محلية، في إطار الاستعداد للاستحقاقات المقبلة المرتقبة يوم 23 من شهر أيلول/ سبتمبر 2026، مؤكدة أن هذه العملية تمت وفق مساطر تنظيمية دقيقة، شملت دراسة الترشيحات، والبت في الطعون، والتداول والتصويت السري، بما يضمن الشفافية وتكافؤ الفرص بين المرشحين.
وكشف البيان الذي اطّلعت عليه «القدس العربي»، عن أسماء بارزة تصدرت اللوائح في عدد من الدوائر الانتخابية، من بينها إدريس الأزمي الإدريسي في إقليم الصخيرات تمارة، وعبد الله بوانو في مكناس، ورضا بوكمازي في آسفي، إلى جانب أمينة ماء العينين في عين الشق في الدار البيضاء، وسمير شوقي في الحي الحسني في المدينة نفسها، في خطوة تعكس بداية رسم خريطة التنافس في دوائر انتخابية ذات وزن سياسي مهم.
وتعكس هذه التزكيات، حسب عدد من المتابعين، حرص الحزب على احترام قواعده التنظيمية وتعزيز المشروعية الداخلية، حيث جرى اعتماد مقترحات الاجتماعات العامة الإقليمية في أغلب الحالات، وهو ما من شأنه أن يحد من التوترات الداخلية ويعزز الثقة في المسار الديمقراطي داخل الحزب.
كما برز توجه واضح نحو ضخ دماء جديدة، من خلال تزكية أسماء لأول مرة، إلى جانب الانفتاح على كفاءات من خارج الإطار الحزبي.
وفي هذا الإطار، حظي اختيار بعض الأسماء، مثل الإعلامي سمير شوقي والمحامية أمينة ماء العينين، باهتمام خاص، بالنظر إلى ما يحمله من دلالات سياسية وتنظيمية، خاصة في دوائر تُعدّ من الأكثر تنافسية بمدينة الدار البيضاء، وهو ما يطرح تساؤلات حول إمكانية إعادة ترتيب موازين القوى داخل هذه الدوائر، ومدى قدرة هذه الوجوه على إحداث دينامية انتخابية جديدة.
وعبّرت أمينة ماء العينين عن اعتزازها بالثقة التي حظيت بها من طرف مناضلي حزب «العدالة والتنمية»، معتبرة هذا التكليف أمانة ومسؤولية تتطلب العمل بجدية ونزاهة.
كما أعربت عن أملها في أن تكون عند حسن ظنهم.
ونوهت كذلك بثقة الأمانة العامة للحزب، بصفتها هيئة التزكية التي صادقت على هذا الاختيار، مشددة على أن المرحلة المقبلة تستدعي الاستعداد لخوض الاستحقاقات بروح الالتزام، إلى جانب مناضلات ومناضلي الحزب، في إطار احترام قواعد القانون وأخلاقيات المنافسة الشريفة.
كذلك عبّر الإعلامي والمحلل الاقتصادي سمير شوقي عن اعتزازه بالثقة التي وضعها فيه حزب «العدالة والتنمية» بترشيحه وكيلا للائحته في دائرة الحي الحسني في مدينة الدار البيضاء، معتبرا هذا الترشيح مسؤولية تستوجب العمل الجاد والالتزام.
وأكد تطلعه إلى أن يكون في مستوى هذه الثقة، متعهدا بخوض حملة انتخابية «نظيفة وشفافة ومبتكرة»، تعكس روح التنافس الشريف.
غير أن قراءة هذه التحركات لا تكتمل دون استحضار طبيعة المشهد الانتخابي المغربي وتعقيداته، حيث تشير المحللة السياسية مريم بليل، في حديثها لـ «القدس العربي»، إلى أن الانتخابات في المغرب لا تحسمها فقط الأسماء المرشحة على رأس اللوائح، بل تتحكم فيها مجموعة من العوامل المركبة، من بينها طبيعة الدوائر الانتخابية، وقوة المنافسين داخل كل دائرة، بالإضافة إلى التحالفات والتكتلات الحزبية التي قد تعيد تشكيل موازين القوى محليا.
وفي هذا الإطار، ترى بليل أن معيار الكفاءة قد يبرز كأحد المحددات الأساسية في الاستحقاقات المقبلة، خاصة في ظل تزايد وعي الناخبين والحاجة إلى نخب قادرة على التدبير والمنافسة.
واعتبرت أن هذا التحول المحتمل نحو «الرهان النخبوي» من شأنه أن يدفع الأحزاب إلى مراجعة اختياراتها، والعمل على ترشيح كفاءات مؤهلة تستجيب لتطلعات المرحلة، بما يعزز من جودة التمثيل السياسي.
كما تطرح مسألة استقطاب نخب من خارج الأحزاب، باعتبارها أحد الخيارات التي قد تلجأ إليها بعض التنظيمات لتعزيز حضورها الانتخابي، غير أن هذا التوجه يثير في المقابل نقاشا حول حدود هذا الانفتاح ومدى قدرته على خلق توازن بين الانتماء الحزبي والكفاءة الفردية.
ومن زاوية أخرى، تفسر بليل تكرار بعض الأسماء في اللوائح الانتخابية من خلال عاملين متداخلين، فمن جهة، يتعلق الأمر بوجود نخب راكمت تجربة انتخابية ونجحت في دوائر محددة، ما يجعل الأحزاب تراهن عليها مجددا، ومن جهة ثانية، يعكس هذا التكرار إشكالية أعمق ترتبط بضعف قدرة الأحزاب على إنتاج وتجديد نخب جديدة، وهو ما يطرح تحديا حقيقيا أمامها في أفق بناء عرض سياسي متجدد وقادر على الاستجابة لمتطلبات المرحلة.
إلى ذلك، يرى حسن حمورو، الباحث في العلوم السياسية والتواصل السياسي، أن بيان الأمانة العامة لحزب «العدالة والتنمية»، بشأن تزكية المرشحين يعكس حرصا واضحا على احترام المساطر التنظيمية المؤطرة لعملية الترشيح، بما يعزز المشروعية الداخلية ويكرس الشفافية، خلافا لما هو سائد لدى بعض الأحزاب.
كما يبرز، حسب رأيه، احترام اختيارات الجموع العامة في أغلب الحالات، وهو ما يساهم في تقوية الثقة داخل التنظيم والحد من التوترات.
ويشير إلى حضور نَفَس تجديدي من خلال منح الفرصة لوجوه جديدة، إلى جانب الانفتاح على كفاءات من خارج الحزب، في اتجاه تحقيق توازن بين الشرعية التنظيمية ومتطلبات التجديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك