في الوقت الذي تحاول فيه الوثيقة السياسية لمنصة" ميدان" الإخوانية تقديم خطاب يبدو في ظاهره أقرب إلى القيم العامة، عبر التأكيد على أن" تربية أعضاءنا على أن السلطة وسيلة لا غاية وأن السياسة أخلاق قبل أن تكون مكاسب"، تفتح هذه العبارات بابًا واسعًا للتساؤل حول مدى اتساق هذا الخطاب مع البنية الفكرية والتاريخية للجماعة منذ نشأتها.
هذا الطرح المعلن، بحسب مراقبين، يتصادم بشكل مباشر مع ما ترسخ في أدبيات جماعة الإخوان الإرهابية منذ التأسيس، وتحديدًا في رسائل حسن البنا، وعلى رأسها رسالة التعاليم، التي تُعد من أبرز النصوص المؤسسة للفكر التنظيمي للجماعة، والتي كشفت بوضوح أن مشروع الإخوان لم يكن مجرد دعوة دينية، بل مشروعًا سياسيًا يسعى للتمكين والسلطة باعتبارها الهدف المركزي.
ففي تلك الرسالة، دعا حسن البنا أتباعه إلى أقصى درجات التضحية من أجل الجماعة وغاياتها، حيث ورد في مضمونه الدعوي: " بذل النفس والمال والوقت والحياة وكل شيء في سبيل الغاية وليس في الدنيا جهاد لا تضحية معه ولا تضيع في سبيل فكرتنا تضحية"، وهي عبارات، لا تُفهم في سياقها التنظيمي إلا باعتبارها تأطيرًا واضحًا لفكرة" الولاء المطلق" لمشروع الوصول إلى السلطة، أياً كانت التكاليف.
وهذا الخطاب يؤكد أن الهدف الأعلى في البناء الفكري المؤسس للجماعة لم يكن مجرد العمل الدعوي أو الإصلاحي، بل التمكين السياسي باعتباره الغاية النهائية، وهو ما يضع الادعاءات الحديثة حول" أخلاقية السياسة" و" السلطة كوسيلة" في دائرة التناقض مع الجذور النظرية والتنظيمية للفكر الإخواني.
وهذا التباين بين الخطاب المعلن في الوثائق الحديثة وبين الموروث الفكري المؤسس يعكس ما" ازدواجية خطابية" تعتمدها الجماعة في مراحل مختلفة، حيث يتم إعادة صياغة المفاهيم بما يتناسب مع السياقات السياسية، دون تغيير جوهري في البنية الفكرية التي تربط بين التنظيم والسلطة كهدف استراتيجي.
وبينما تحاول منصات تابعة للجماعة الإرهابية إعادة تقديم نفسها في صورة أكثر قبولًا، يظل الإرث النصي والتنظيمي المؤسس، شاهدًا على أن فكرة التضحية المطلقة من أجل المشروع لم تكن يومًا منفصلة عن الهدف السياسي الأعلى، بل كانت جزءًا أصيلًا من بنيته الأولى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك