لم تكن الطفلة اليتيمة التي غادرت مقاعد الدراسة مبكرًا تدرك أنها ستتحول إلى الذاكرة البصرية والوجدانية لملايين الخليجيين لستة عقود متواصلة.
اليوم، تسدلُ الدراما الخليجية ستارها على أطول فصولها برحيل الفنانة القديرة حياة الفهد، عن عمر يناهز 78 عامًا، إثر مضاعفات صحية ناجمة عن جلطة دماغية أعقبت عملية قسطرة.
رحلت «سيدة الشاشة الخليجية» في شهر أبريل ذاته الذي شهد صرختها الأولى عام 1948، تاركة خلفها إرثًا فنيًا تجاوز حدود الترفيه ليصبح وثيقة اجتماعية وتاريخية.
وقد جسدت الراحلة عبر مسيرتها الطويلة تحولات المجتمع الخليجي وصراعاته الإنسانية العميقة.
ولدت حياة الفهد في منطقة «شرق» بالكويت، وواجهت قسوة الحياة مبكراً بفقدان والدها، ما فرض عليها طفولة خشنة ومسؤوليات سابقة لأوانها.
لم تكمل تعليمها الابتدائي، لكن شغفها الفني وُلد من رحم المعاناة حين شاهدت فيلمًا قديمًا للفنان فريد الأطرش، لتبدأ أحلامها في التشكل بعيدًا عن الجدران الصامتة التي أحاطت بنشأتها.
من أروقة المستشفى إلى الإذاعةكانت نقطة التحول درامية بامتياز، إذ لم تُكتشف موهبتها في أكاديمية للفنون، بل في أروقة «مستشفى الصباح» حيث كانت تعمل.
هناك التقت بالفنان أبو جسوم الذي التقط شرارة الموهبة بداخلها، ليقدمها عام 1962 في مسلسل «عائلة بو جسوم»، قبل أن تعتلي خشبة المسرح لأول مرة في مسرحية «الضحية» عام 1963.
لم تكتفِ الفهد بالتمثيل، بل اقتحمت مجال الإعلام وعملت مذيعة في إذاعة الكويت بين عامي 1965 و1968، مما أصقل لغتها ومنحها قدرة استثنائية على الإلقاء والتلوين الصوتي الذي ميز أداءها لاحقاً.
ثنائيات الذهب وأيقونات الدرامافي مرحلة النضج الفني، شكلت حياة الفهد ثنائيات ذهبية حفرت في ذاكرة المشاهد العربي، أبرزها مع الفنانة سعاد عبد الله والفنان الراحل غانم الصالح.
حيث قدمت خلال هذه المرحلة أيقونات خالدة مثل «خالتي قماشة» و«رقية وسبيكة»، ومزجت ببراعة بين الكوميديا السوداء والنقد الاجتماعي.
ومع دخول الألفية الجديدة، توجت بلقب «سيدة الشاشة الخليجية» بعد أدائها الاستثنائي في مسلسل «جرح الزمن» للكاتبة فجر السعيد، لتتوالى بعدها الأعمال الضخمة مثل «الفرية» و«سنوات الجريش» و«قرة عينك».
بعيدًا عن الأضواء، كانت حياة الفهد أديبة وكاتبة سيناريو تناقش بعمق قضايا المرأة الكويتية والخليجية.
إذ أصدرت في نهاية السبعينيات ديوانًا شعريًا بعنوان «عتاب»، وكتبت نصوصًا درامية سبرت أغوار المعاناة النسائية.
ولطالما صرحت بأن المرأة الخليجية قد تنال حقوقها في الشارع والمجتمع، لكنها لا تزال تعاني داخل جدران منزلها، فأخذت على عاتقها تحويل هذه المعاناة الصامتة إلى قضايا رأي عام عبر الشاشة.
شهدت الأشهر الأخيرة من حياة الفهد تراجعًا في حالتها الصحية، ما غيبها عن الموسم الرمضاني لعام 2024.
ورغم المرض، ظلت تقاوم في معاركها الخاصة، حيث أنصفها القضاء الكويتي في يناير 2026 بإصدار حكمين لصالحها في قضايا تشهير ضد بعض مشاهير منصات التواصل الاجتماعي.
لتغادر الحياة منتصرة لكرامتها الشخصية والفنية، تاركة مقعداً سيظل فارغاً في صدارة الفن الخليجي.
اتسمت المسيرة الفنية لحياة الفهد بالشجاعة في كسر التابوهات الدرامية، ويُعد مسلسل «أم هارون» الذي عُرض عام 2020 نموذجًا صارخًا على ذلك.
وقد أدت فيه دور امرأة يهودية تعيش في الخليج خلال أربعينيات القرن الماضي.
ورغم الجدل السياسي والمجتمعي الواسع الذي رافق العمل، دافعت الفهد عن حق الفن في استعراض الحقب التاريخية المعقدة بموضوعية، مؤكدة مكانتها كفنانة لا تخشى السير في حقول الألغام السردية لتقديم رسالتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك