إلى أين تتجه مآلات الحرب؟ من الواضح الآن أن منحى التوجه الأميركي والرئيس ترامب قد تراجعت همته وفتر عزمه في مسعى إسقاط النظام الإيراني، فقد بات أكثر ميلًا وجنوحًا للمهادنة والمفاوضات، وهو ما يعني أنه صار أميل لتحقيق شروطه دونما المساس بمعطى بقاء النظام من عدمه، وهو ما يعني أيضًا التخلي عن وعده بإنقاذ الشعب الإيراني من قبضة حاكميه.
صحيح أن هذا المنحى لم تؤكده الإدارة الأميركية كسبب جوهري من أسباب الحرب، وذلك لاعتبارات الحفاظ على سياقات المفاهيم الدولية المرتبطة باستقلال الأمم واحترام خياراتها، إلا أن دفع ترامب وإدارته قبل الحملة العسكرية وفي بدايتها بدا توجهًا هجوميًّا وحاسمًا في مواقفه عما هو عليه الآن من اتسام بالجنوح للتهدئة والتفاوض.
فهل هذا التحول جاء نتيجة حساب الكلفة التي قد تتكبدها الإدارة الأميركية في العتاد والأرواح، رغم التأكد من حقيقة التفوق العسكري الكاسح على إيران؟ وعلى ذلك، هل يؤشر هذا السلوك الأميركي المتغير إلى أن ترامب سيرجع لصيغة من سبقوه من رؤساء أميركا، بحيث سيجنح إلى صيغ التخادم مع إيران بطريقة أو بأخرى؟ أم أن حكومة الدولة العالمية العميقة وضعت له حدًّا في خياراته وكبلته عن السعي لإسقاط النظام وتغييره؟ فما هو الخيط الرفيع والخفي تاريخيًّا ومرحليًّا بين إيران والدولة العميقة، والذي قد تساورنا الشكوك حول رفضها استبدال أيديولوجية النظام الإيراني بغيره؟ولو رجعنا بالتاريخ قليلًا وتذكرنا عملية التكالب الدولي التي دُفع بها عالميًّا لإسقاط النظام العراقي يومها بقيادة الرئيس العراقي صدام حسين، واستذكرنا ذلك المشهد والمواقف الدولية، سنجد أن كل دول العالم تقريبًا فزعت وجاهرت بضرورة إسقاط نظامه من على دفة الحكم، رغم التأكد بأنه لا يملك أية ترسانة نووية، وأنه قد أُضعف إلى مستوى كبير عن إمكانية التمدد أو السطو على جواره في أواخر سنين حكمه.
فما هو الدافع الاستراتيجي لضرورة إسقاط ذلك النظام في المنطقة العربية بالأمس، وتراجعه اليوم في حالة الدولة الإيرانية رغم تهيؤ الفرصة لترامب في ذلك؟ فهل هناك يد خفية تصر على بقاء نظام إيران؟ والاكتفاء فقط بإرجاعه إلى حياض الدائرة التي صُنع منها، رغم اعترافه بامتلاك أربعمئة وستين كيلوجراما من اليورانيوم المخصب والقابل لتحويله لقنبلة نووية في بضعة أيام، بالإضافة لعدم اعترافه حتى الساعة بمآلاتها؟إن هذا الوقت المهدور أثمن من كل شيء في هذه الحملة العسكرية التي تبناها ترامب، وإن الأصل قبل عملية التفاوض ضرورة اشتراط تسليم هذه الكمية المخصبة لهيئة دولية ودون أية شروط مسبقة، ثم بعدها يتم الجلوس لطاولة التفاوض.
فهل فات ترامب ومستشاريه ذلك؟ أم أن الحملة الأميركية نفسها مرسومة ولها أهدافها الخفية التي هي في الأساس ببعدها الاستراتيجي ليست موجهة لكسر اعتبار إيران ونظامها، إنما هي تهدف لإعادة رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة العربية برمتها، وأن إيران لا يستغني الغرب الأوروبي عن دورها ونزعتها السياسية الموجهة لاختراق المنطقة العربية وتفكيكها؟إن قبول ترامب باستسلام إيران بشكل مبهم وغير معلن ومن غير قنوات دولية يؤكد ذلك، لا بل وتسمية الإدارة الأميركية لما يجري بالاتفاق دونما إصرار على ضرورة تضمين لفظ استسلام كشرط على إيران، فإن ذلك في حد ذاته كاف لحفظ ماء وجه طهران واستمرار إعلامها التعبوي المضلل لأتباعه بالتأكيد على فرضية الانتصار.
إن تعاطي الولايات المتحدة - رغم تفوقها العسكري الساحق - والغربيين من قبلها مع إيران دونما سواها من دول العالم، لهو في حد ذاته لغز لا يُعرف كم من الزمن سيستغرق حله، وكم جيلاً سيتطلب لتتكشف أسرار العلاقة والتخادم بينهم.
إن إعلام إيران التعبوي المضلل لا يزال يؤكد أنها لم تُهزم، إنما أجبرت الولايات المتحدة على القبول بالتفاوض وقدمت شروطها فتم قبولها، وهذا التعاطي الإعلامي لا يخدم الولايات المتحدة ولا يحفظ لها هيبتها، وبالتالي لا يؤهلها لقيادة العالم؛ إذ لا يمكن لامبراطورية تريد إعادة ترتيب أوراق العالم أن تقبل بأقل من اعتراف واضح وجلي باستسلام خصومها دونما استخدام الخصم لمنطق المناكفة والتصعيد الإعلامي.
إن سنن التاريخ تشي بأن الحكم وسطوته لا تدوم وتتوسع إلا بالهيبة وقبل اللجوء للقوة، فإذا جنحت أية امبراطورية في عصرها للقوة مع الصغار من الخصوم فإنها لا تقبل بأقل من الاجتثاث له، وذلك ليكون عبرة؛ كما أن منازلة الصغار تعد ثلمًا لكبريائها وهيبتها، وفي حالة إيران فإنها لا تزال ممعنة في كسر هيبة الولايات المتحدة بالتمادي إعلاميًّا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك