تقرير صحيفة وول ستريت جورنال الذي أشار إلى أن نحو نصف المسيرات التي استهدفت السعودية انطلقت من العراق، ليس مجرد خبر عابر، بل مؤشر استراتيجي على تحول مقلق في طبيعة التهديدات الإقليمية.
نحن أمام نمط جديد من إدارة الصراع، حيث لم تعد الجغرافيا السياسية التقليدية هي المحدد الوحيد، بل برزت شبكات عابرة للحدود تستغل هشاشة بعض الساحات لتصدير الفوضى والاعتداء.
هذا التطور يعكس الاستخدام الفعلي لبعض الأطراف كالنظام الإيراني لنفوذه خارج حدوده، ويسعى إلى توسيع دوائر الصراع عبر الوكلاء في المنطقة، مستفيدا من فراغات أمنية وسياسية.
وهنا تكمن الخطورة؛ إذ تتحول دول ذات سيادة إلى منصات انطلاق لتهديد دول أخرى، في انتهاك صريح لكل القوانين والأعراف الدولية، ومساس مباشر بأمن المنطقة واستقرارها.
وفي هذا السياق، يمكن استحضار بيان وزارة الخارجية السعودية الصادر في مارس الماضي، الذي أدان بوضوح استهداف المنشآت الحيوية والمدنية، مؤكداً أن هذه الاعتداءات تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وداعياً العراق إلى اتخاذ مواقف حازمة، وضرورة العمل وفق الالتزامات الدولية ووضع حداً لهذه الممارسات.
هذا البيان لم يكن مجرد موقف سياسي، بل رسالة مبكرة تحذر من تداعيات التراخي في مواجهة هذا النمط من التهديدات.
من هنا، أرى عدم فاعلية التعامل مع مثل هذه المعطيات بسياسة رد الفعل المحدود أو الاكتفاء بالإدانات.
المرحلة الحالية تتطلب إعادة تقييم شاملة لمنظومة الردع، وبناء مقاربة أكثر صرامة ووضوحاً أو كما ذكرت في تعليق على الخبر في منصة X “تحتاج قرصة أذن”.
فاستمرار الاستهداف عبر أدوات غير تقليدية، كالمسيرات، يعني أن الخصم يختبر حدود الصمت، ويراهن على غياب الرد الحاسم.
كما أن الحكومة العراقية مطالبة اليوم بوقفة صريحة ومسؤولة؛ إما أن تثبت قدرتها على فرض سيادتها الكاملة ومنع استخدام أراضيها كمنصة للاعتداء، أو أن تعلن بوضوح عدم قدرتها على السيطرة على هذه الجماعات، فالغموض في هذا الملف لم يعد مقبولاً، بل يفتح الباب أمام مواقف أكثر حزماً وتحديداً من قبل الدول المتضررة، بما يتوافق مع حقها المشروع في الدفاع عن أمنها واستقرارها.
الإجراءات الحازمة هنا لا تعني بالضرورة التصعيد العسكري المباشر، لكنها تبدأ بتثبيت معادلة واضحة: أي اعتداء، مهما كان مصدره أو غطاؤه، سيقابل برد مكافئ يعيد التوازن.
ويشمل ذلك تفعيل المسارات القانونية الدولية لمحاسبة الجهات المتورطة، وتعزيز العمل الاستخباراتي لتفكيك هذه الشبكات، إضافة إلى توسيع دائرة التنسيق الإقليمي والدولي لضمان عدم تحول أي ساحة إلى ملاذ آمن لمثل هذه الأنشطة.
كما أن على المجتمع الدولي أن يدرك أن استهداف السعودية، بما تمثله من ثقل اقتصادي ودور محوري في استقرار أسواق الطاقة، لا يهدد دولة بعينها فحسب، بل يطال الأمن الاقتصادي العالمي.
وبالتالي، فإن الصمت أو الاكتفاء بالمواقف الرمزية قد يُفسر كضوء أخضر لمزيد من التصعيد.
نحن أمام لحظة اختبار حقيقية: إما ترسيخ قواعد ردع جديدة تحمي أمن الدول واستقرارها، أو ترك المجال مفتوحاً أمام فوضى إقليمية تتغذى على التراخي.
والحزم هنا ليس خياراً متشدداً، بل ضرورة استراتيجية لوقف التمادي، وإعادة رسم الخطوط الحمراء بما يضمن أمن المنطقة ويحفظ توازنها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك