قراءة في كتاب: " وحي طنجة" للأستاذ محمد بن عبد الله التليديالأستاذ محمد بن عبد الله التليدي عالم مغربي من أبرز أعلام مدينة طنجة في العصر الحديث، جمع بين العلم الشرعي الراسخ، والذوق الصوفي الرفيع، والنظر الفلسفي العميق.
يعد من العلماء الذين حافظوا على الجمع بين التصوف السني المعتدل والالتزام بالضوابط الشرعية، فلم يكن تصوفه انفلاتا من قيود الشريعة، بل كان سلوكا روحيا منضبطا بميزان الوحي.
وقد أثرى المكتبة الإسلامية بمؤلفات عديدة في الحديث والتراجم والتصوف والفكر، وعرف بغزارة إنتاجه وتنوع اهتماماته العلمية.
يقوم الكتاب على فكرة محورية مفادها أن" المكان ليس حيزا جغرافيا محايدا"، بل هو كائن حي يتنفس ويلهم ويبث في أرواح ساكنيه معاني لا تدرك إلا بالذوقكتاب" وحي طنجة" ليس كتابا في الوحي بمعناه الاصطلاحي الشرعي، وإنما" الوحي" هنا بمعناه اللغوي الأوسع؛ أي: الإلهام والإشارة والخاطر والفيض الروحي الذي تبعثه مدينة طنجة في نفس المؤلف.
فالعنوان في ذاته يحمل دلالة صوفية عميقة، إذ يجعل من المكان مصدر إلهام وتجل، وهو ما يتسق مع المنهج الصوفي الذي يرى في الأمكنة والأزمنة تجليات ربانية تفتح على القلب أبواب المعرفة.
والكتاب بهذا المعنى ينتمي إلى أدب" الخواطر والتأملات" الذي يمزج بين النثر الأدبي الرفيع والفكر الفلسفي والذوق الصوفي، في قالب يعكس علاقة المؤلف الحميمة بمدينته طنجة؛ تلك المدينة التي تقف على مفترق الحضارات وملتقى البحرين، فكانت بطبيعتها الجغرافية والتاريخية مؤهلة لأن تكون فضاء للتأمل والإلهام.
جدلية المكان والروح: يقوم الكتاب على فكرة محورية مفادها أن" المكان ليس حيزا جغرافيا محايدا"، بل هو كائن حي يتنفس ويلهم ويبث في أرواح ساكنيه معاني لا تدرك إلا بالذوق.
وطنجة عند التليدي ليست مجرد مدينة ساحلية على مضيق جبل طارق، بل هي فضاء وجودي يتقاطع فيه الشرق والغرب، والماضي والحاضر، والظاهر والباطن.
هذه الرؤية تتقاطع مع ما ذهب إليه فلاسفة المكان المعاصرون، مثل غاستون باشلار في كتابه" جماليات المكان"، لكن التليدي يضيف إليها بعدا روحيا إسلاميا خاصا، مستحضرا التراث الصوفي الذي يرى في الأرض مرآة لتجليات الأسماء الإلهية.
التأمل الفلسفي في الوجود: لا يقف التليدي عند حدود الوصف الأدبي للمدينة، بل يتخذها منطلقا للتأمل في قضايا الوجود الكبرى: معنى الحياة، وسر الزمن، وحقيقة الجمال، وعلاقة الإنسان بالكون.
وفي هذا يبدو أثر ثقافته الفلسفية الواسعة، التي تمتد من الفلسفة اليونانية إلى الحكمة الإشراقية الإسلامية، مرورا بابن عربي وابن الفارض وأبي حامد الغزالي.
ويلمس القارئ في ثنايا الكتاب حوارا خفيا بين العقل والقلب، بين البرهان والعرفان، وهو حوار لا ينتهي بانتصار أحدهما على الآخر، بل بتكاملهما في رؤية توحيدية شاملة، ترى أن طرق المعرفة متعددة لكنها تصب في مصب واحد.
يستحضر التليدي في كتابه الذاكرة التاريخية الغنية لمدينة طنجة؛ فهي المدينة التي منها انطلق ابن بطوطة في رحلته الشهيرة التي طاف فيها العالم الإسلامي، وفيها عاش علماء وصلحاء تركوا بصماتهم على الحياة العلمية والروحية للمغرب.
البعد الصوفي: من المشاهدة إلى الشهودمستوى اللغة: يوظف التليدي مصطلحات التصوف توظيفا دقيقا، مثل: " الذوق" و" الوجد" و" الفتح" و" الحال" و" المقام"، لكنه لا يستغلق على القارئ غير المتخصص، بل يجعل هذه المصطلحات جسورا بين التجربة الخاصة والمعنى العام.
مستوى التجربة: يقدم التليدي تجربته مع المدينة باعتبارها نوعا من" السلوك الروحي"، فالتأمل في البحر عنده ليس مجرد استمتاع بالطبيعة، بل هو مراقبة لتجلي القدرة الإلهية في اتساع المياه وتلاطم الأمواج.
والنظر إلى الأفق حيث يلتقي البحران ليس مشهدا جغرافيا فحسب، بل إشارة إلى" البرزخ" القرآني: ﴿مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان﴾.
مستوى الأخلاق: التصوف عند التليدي ليس انعزالا عن الناس، بل هو التزام أخلاقي وإنساني، وهذا ما يتجلى في حديثه عن أهل طنجة وعلاقاتهم وقيمهم.
طنجة في الوعي الثقافي الإسلاميوهذا الاستحضار التاريخي ليس ترفا ثقافيا، بل هو جزء من الرؤية الصوفية التي ترى أن" أرواح الصالحين لا تغادر الأمكنة التي عاشوا فيها تماما"، بل تظل نفحاتهم عالقة بها، تشع على من يسكنها بقلب حاضر.
كما يشير التليدي إلى الموقع الجيوثقافي الفريد لطنجة باعتبارها بوابة بين عالمين: العالم الإسلامي وأوروبا، وهو ما يمنحها خصوصية في النظر إلى قضايا الحوار الحضاري والتعايش الإنساني.
فطنجة في رؤية التليدي ليست حدا فاصلا، بل جسر واصل، وهذا بحد ذاته درس صوفي في تجاوز الثنائيات الحادة.
ينتمي" وحي طنجة" إلى تقليد عريق في الأدب الصوفي المغربي، يجمع بين التجربة الذاتية والتأمل الكوني.
والمغرب بلد غني بهذا اللون من الكتابة، من أبي الحسن الششتري إلى ابن عجيبة الحسني، ومن أحمد زروق إلى محمد الحراق.
الأسلوب الأدبي ولغة الكتابيتميز أسلوب التليدي في هذا الكتاب بعدة سمات:الشعرية العالية: لغة الكتاب لغة أدبية رفيعة تقترب من الشعر في كثير من المواضع، وهو ما يذكر بأسلوب كبار الكتاب الصوفيين الذين رأوا أن اللغة العادية تعجز عن حمل المعاني الروحية، فلا بد من الاستعارة والرمز والإشارة.
المزج بين الأجناس: يمزج التليدي بين النثر التأملي والشعر والخاطرة والمقالة الفكرية، فلا يسير على نمط واحد رتيب، بل يتنقل بين الأجناس الأدبية بحسب ما يقتضيه المعنى ويستدعيه الحال.
الإيقاع الداخلي: ثمة إيقاع داخلي في الكتاب يشبه حركة أمواج البحر: مد وجزر، صعود وهبوط، توتر وانفراج.
وهذا الإيقاع ليس مصطنعا، بل هو انعكاس طبيعي لتجربة المؤلف مع مدينته ومع ذاته.
الكتاب في سياق المكتبة الصوفية المغربيةويضيف التليدي إلى هذا التقليد إضافة نوعية، إذ يربط التجربة الصوفية بمكان محدد هو طنجة، فيجعل من الجغرافيا بابا للمعرفة الذوقية.
وهذا المنهج يختلف عن كثير من الكتابات الصوفية التي تغرق في التجريد وتنفصل عن الواقع المعيش؛ فالتليدي يؤصل تجربته في الأرض قبل أن يحلق بها في السماء، وهو ما يمنح كتابه حرارة إنسانية وصدقا وجدانيا.
إن ما يفعله التليدي في هذا الكتاب هو إعادة الاعتبار للحواس الروحية في زمن طغت فيه المادية، ويذكرنا بأن الأمكنة ليست مجرد إحداثيات على خريطة، بل مرايا تعكس أحوالنا الداخليةكتاب" وحي طنجة" عمل فكري وأدبي وروحي متميز، يعكس شخصية مؤلفه الجامعة بين العلم والتصوف والأدب والفلسفة.
وهو إضافة نوعية إلى المكتبة الإسلامية المعاصرة، لا سيما في مجال الأدب الصوفي المرتبط بالمكان، وهو مجال لا يزال يحتاج إلى مزيد من الاهتمام والدراسة.
إن ما يفعله التليدي في هذا الكتاب هو إعادة الاعتبار للحواس الروحية في زمن طغت فيه المادية، ويذكرنا بأن الأمكنة ليست مجرد إحداثيات على خريطة، بل مرايا تعكس أحوالنا الداخلية.
ومن نظر إلى مدينته بعين القلب رأى فيها ما لا تراه العيون.
وبهذا يكون" وحي طنجة" دعوة مفتوحة إلى إعادة اكتشاف أمكنتنا، لا بالسياحة العابرة، بل بالإقامة الواعية التي تحول المكان من فضاء هندسي إلى فضاء روحي، ومن جغرافيا إلى تجربة وجودية: ﴿وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك