النهر في غربته يكتسح السدود»أيام مارس 1969 سرعتها تسابق الرياح.
ربيع متواصل في ربوع ليبيا إلى اقتراب الصيف.
موسم المطر الخالص والحصاد والرحلات.
الكوكب أم كلثوم تحل بطرابلس، ثم بنغازي.
تحيي سهرتين طويلتين بهما.
«يا مسهرني» و«أمل حياتي»، وغيرهما.
الليل والسهر والربيع، وثمة ما يجري وراء الأغاني في المدينتين.
كان هناك تفكير ملح للقيام بحركة الضباط الصغار استغلالا لوجودها في أثناء حفلتها الغنائية بملعب 24 ديسمبر في البركة.
وبعدها صُرف النظر عن هذا التفكير، واستُبعد تماما من عقل قائد التنظيم، ثم طرأت فكرة أخرى خطيرة في حد ذاتها، توخت اعتراض موكب الملك القادم من طرابلس نحو بنغازي في طريقه إلى طبرق.
صُرف النظر عنها كذلك.
ومارس يواصل التسارع، والناس في ليبيا غافلة عما يحدث بين بنغازي وطرابلس، ونشاط الضباط الصغار.
سبها بعيدة في الجنوب، وتكاد تكون شبه منفى أحيانا لمن ترميه الأقدار هناك.
انتقلت كتيبة عمر المختار، التي ينتسب إليها الشلماني، من معسكر الهضبة الخضراء بطرابلس إلى حامية سبها.
القلعة الرابضة فوق التلة منذ القدم.
جزء من تاريخ فزان الحافل.
كانت وحدات الجيش الليبي تتبادل الانتقال إلى سبها طوال العام.
أفراد الجيش لا بد أن يمروا ويمكثوا أشهرا بها، ثم ينتقلون إلى أماكن أخرى في البلاد.
الشلماني كان قد التحق بالكتيبة منذ تخرجه عام 1965.
عاصر، مثل بقية الضباط والجنود، تحركاتها وتنقلاتها ما بين معسكرات الجيش في رأس عبيدة ببنغازي، ثم الأبيار، ثم طرابلس، وأخيرا إلى سبها.
ظروفه الحالية جعلته يقرر الانتقال إلى بنغازي حيث أسرته، وكان حديث الزواج.
طلب من العقيد الشلحي، في لقاء ثان جمعهما، مساعدته.
تمت عملية الانتقال إلى البوليس الحربي في بنغازي.
كان مقره المعروف في مكتب الاستعلامات رقم 1، كما كان يُسمى، في وسط المدينة قرب الديوان الملكي.
مضى إلى سبها مع الكتيبة حال انتقالها، وسلم ما في عهدته، وعاد إلى بنغازي عن طريق مطار طرابلس.
حين وصل المطار كان في انتظاره الملازم عبد السلام بوقيله، ومعا اتجها إلى جنزور.
لقاء وغداء في منزل رفيقهما عبد المنعم الهوني.
اجتماع للتنظيم بناء على برقية من القذافي إلى الضباط بالتنظيم في طرابلس.
قبل هذا اللقاء، سبقته مقابلة أخرى مع العقيد الشلحي في طرابلس.
نقاش طويل بينه والشلماني، الذي ظل يرفض رفضا قاطعا موافاته بأسماء الأعضاء في التنظيم.
أكد له العقيد الشلحي أنه إذا كان يخشى البوح بأسماء زملائه، فإنه يقدر ذلك، ويعفيه من ذكرهم.
«سأجعل الأمر يأتي من خارج ليبيا، ليزودني بالأسماء المطلوبة، وسأنسق في جعله كما لو أنه ورد من شخص أجنبي وغير ليبي».
كان هذا رد العقيد، ثم استمزج رأي الشلماني في أن يرتب له لقاء مع رئيس الأركان، اللواء السنوسي شمس الدين، أو وزير الدفاع، حامد العبيدي، يقوم خلاله بشرح ما يراد عن التنظيم، وكيفية المعالجة المطلوبة دون أية بلبلة أو مشاكل.
أحس الشلماني بأن العقيد الشلحي بدا مقتنعا بما ينقله إليه عكس ما حدث في اللقاء الأول.
أجابه على الفور بأنه غير مستعد للتحدث مع أي مسؤول أو شخص آخر غيره، أي العقيد الشلحي، ولا داعي لمقابلة الشخصيتين المهمتين اللتين اقترحهما عليه.
أشار كذلك إلى أن الموضوع حله ومعالجته سهل للغاية، إذ يتمثل في فتح دورات خارجية للضباط أعضاء التنظيم، مذكرا إياه بالمثل السائد «تصون رزقك ولا تخون جارك أو زميلك»، بينما جرى استعراض انطباع الشارع أو الرأي العام، خاصة في بنغازي، حول موضوع نقل حي الأكواخ بالصابري بواسطة آليات الجيش.
كان رد الشلماني أن البعض يقول إن ما جرى ما هو إلا تغطية لحركة وشيكة داخل الجيش ستحدث، وبعض آخر اعتبره أمرا عاديا لا يستحق الاهتمام.
سحب الآليات تم بإحضار المدرعات من معسكراتها الأصلية إلى معسكر جادو في طرابلس، وتكليف ضباط من أصحاب الثقة بالإشراف عليها، وشملتهم مراقبة الاستخبارات الحربية.
كانت تلك إجراءات اتخذها العقيد الشلحي بعد لقائه الأول مع الشلماني.
هناك ضباط في ضفة مقابلة شعروا بأن ما وقع استشعار بتسرب أخبار التنظيم وسريته.
نما ذلك إلى الشلماني من بعض ضباط كتيبته أعضاء التنظيم، الذين أكدوا أن هذه التحركات من العقيد الشلحي تظل ستارا لمحاصرة التنظيم والتضييق عليه.
كان في رأيهم القاطع أن سحب الآليات والذخيرة بهذا الشكل في طرابلس وبنغازي يعني أن السلطة في البلاد تلقت علما ومعلومات عن التنظيم وأعضائه، وكان هذا الإحساس يطغى على كيانهم بصفة عامة.
العقيد الشلحي من جهته قيم هذا الشعور بأنه شيء طبيعي برق في أذهانهم، وأنه رد فعل من السلطة التي شرعت في الرصد والمقابلة.
والشلماني في كل الأحوال كان يشعر بأنه لا يقوم بخيانة زملائه مع استمراره بحضور اجتماعات التنظيم، وكرر رفضه عدم البوح بأسمائهم مطلقا للعقيد الذي وافقه في اللقاء الثاني، واحترم وجهة النظر هذه، مشيرا إلى أنه لو زوده بتلك الأسماء أو بعضها، وأبلغ السلطة، فإن ردها سيكون قاسيا: هذا هو الجيش الذي تعيدون تنظيمه الآن في طريقه إلى خيانتنا، فماذا لو انتهت عملية تنظيمه وتطويره؟ ماذا يحدث عندها؟ وبهذا شكره على عدم الإفصاح عن أسماء زملائه الذين نجوا من آثار القبض والملاحقة.
الشلحي هنا أشار إلى نقطة خطيرة، قاربت أن تصير حقيقة على أرض الواقع، نتيجتها انتهاء الجيش الليبي إلى أبد الآبدين، وتبقي منه فقط سرايا بسيطة للحراسات.
إن هذا الرأي لا يبعد مطلقا عن وجهة نظر الملك شخصيا، واعترت تفكيره بعد اكتشاف حركة التمرد في صفوف الجيش أواخر عام 1961.
لقد باح بهذا الرأي.
حل الجيش تماما، واستبدال قوات رمزية بسيطة به تحرس الحدود، واقترحه على رئيس الحكومة أيامها محمد عثمان الصيد.
مع تسارع الأيام، ولقاءات الشلماني بالشلحي، كان القذافي يقود تنظيمه، ويحلم بالتغيير، ويتحرك بلا توقف.
يستطلع.
يكتشف.
ينسق بين أفراد التنظيم في كل الأماكن.
يلاحظ مع بعض ضباط الصف الموثوق بهم الاستعدادات المنتظرة وتهيئة الجنود.
كان يتابع دراسته خارج أوقات العمل العسكري، منتسبا في السنة الثالثة بقسم التاريخ في كلية الآداب.
يأتي إلى الجامعة صباحا أو مساء كلما سنحت له فرصة، ويعود إلى المعسكر في قاريونس غرب المدينة.
لقاءات تواصلت مع الشلماني، الذي استقر في بنغازي.
ظلا يرتادان المركز الثقافي الأمريكي للقراءة، بينما كان القذافي يستعير بعض المراجع.
القذافي قادته قدماه كثيرا إلى المركز الثقافي المصري.
كان قريبا من الأمريكي في شارع الاستقلال.
هناك «الأهرام» و«المصور» و«آخر ساعة» وخطب عبد الناصر.
واجهات المركز تحمل عروضا للصور والصحف المصرية.
مكانه في قلب المدينة أعطاه حيوية وجذبا للمارة.
أعلاه تقع شركة عثمان أحمد عثمان التي تقوم ببناء المدينة الرياضية.
المركز يلعب أدوارا خفية.
كثيرون يأتون لقراءة الميثاق وفلسفة الثورة.
القذافي هنا ربطته علاقة وثيقة بأحد أبرز موظفي المركز.
رجل أمن يتبع المخابرات العامة في مصر اسمه (علي.
).
بقي فترة طويلة موظفا في المطابع بالدولة الليبية، بعد التغيير والصراع بين القذافي والسادات.
اقترب معمر منه كثيرا، ولم يتفارقا.
وثمة علاقات أخرى انفتحت مع الكثيرين.
التقاهم وزارهم.
مصطفى بن عامر بمطبعته في شارع قزير.
اتفق معه على طبع كتابه في السوق والتعبئة ومبادئ الحرب.
عبد الوهاب الزنتاني الضابط بالجوازات.
مر بالشاعر راشد الزبير في مكتبه باللجنة العليا لرعاية الفنون والآداب فوق المركز الثقافي الأمريكي، وطلب أن يهديه دواوينه.
النغم الحائر وأنفاس الربيع.
وآخرين.
كان يستعد للانقضاض، ويختفي وراء هذه المقابلات.
يكتشف ويحلل ويرصد.
وكان الشلماني قد حضر اجتماع طرابلس جنوب قاعدة الملاحة.
فما الذي جرى خلاله بالتحديد قبل وصوله أيامها إلى بنغازي المستلقية في استرخاء وقلق معا عند الشاطئ وأكوام الملح، وأحاديث السمار في أصياف جليانة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك