القرية المصرية كانت بلا خدمات، مُهمَلة، مَنسية، لم تطلها يد التطوير منذ سنوات، كان الجميع يُردد هذه الجملة باستمرار قبل عام 2019، طلباً للخدمات والاهتمام.
والآن، الجميع يُكرر نفس الجُملة - باستمرار - إعلاناً عن نجاح مبادرة «حياة كريمة»، التي جعلت القرية المصرية - وتحديداً القرى الأكثر فقراً - قرى تليق بالمواطن المصري الذي ينعم بإيجابيات ومميزات وملامح نتباهى له ونتفاخر بما تم إنجازه في قرانا في الصعيد والدلتا من تنمية في عصر الجمهورية الجديدة الفرق كبير، لكنني كنت أتمنى أن يتم وصف أحوال القرية وصفاً دقيقاً قبل مبادرة «حياة كريمة»، ليس لإضفاء الأهمية على مبادرة «حياة كريمة» فقط أو لمدحها وتمجيدها والإشادة بها فقط، لكن لكي نتذكر معاً كيف كانت أوضاعنا السابقة جيداً ونُقارن بينها وبين أوضاعنا الآن، وقتها سنضع مبادرة «حياة كريمة» في مكانها الصحيح الذي تستحقه ونقول عنها بكل صراحة واقتناع إنها مشروع القرن بحق وحقيقي.
والآن دعوني أقم بهذا الدور وأصف لكم الأوضاع السابقة بكل صراحة وبلا مبالغة ودون زيادة أو نقصان، لا أريد تحقيق بطولة من وراء ذلك، بل أبغى تقديم وصف حقيقي لما كانت عليه القرية المصرية طوال عهدها حتى نؤمن بأن ما تم تحقيقه شيء ممتاز ومشكور ومحمود ونُقدره جميعاً ونُصفق له.
كانت القرى في مصر كالآتي: المدارس الابتدائية متهالكة قديمة، زجاج فصولها مكسور ولا تجد من يُعيد تغييره، المدارس الإعدادية بعض الطلاب في العِزَب المجاورة للقرى كانوا يسيرون على أقدامهم ما بين 7 و10 كيلو حتى يذهبوا للمدارس، المدارس الثانوية كانت موجودة فقط في المدن فكان الطلاب يركبون مواصلات طويلة يومياً في الذهاب والعودة، الجامعات كانت موجودة في بعض عواصم المحافظات فقط، الوحدة الصحية مَرّ عليها 70 عاماً بلا تطوير وكل ما فيها قطن وشاش ولا أحد يُعالج فيها وكانت عبارة عن مراكز توعية بتنظيم الأسرة.
ذات يوم مسمار غرس في يد طفل، فأخذه أهل القرية وذهبوا للوحدة الصحية، فكان الرد: لم يعُد لدينا قطن أو شاش، سريعاً تطوع أحد الأشخاص وأحضر القطن والشاش من الصيدلية الوحيدة الموجودة في القرية، لكن مسؤولي الوحدة الصحية قالوا: عليكم بالذهاب إلى أحد المستشفيات في المدينة لكي يتلقى الطفل العلاج المناسب.
كانت المسافة بين القرية والمدن قصيرة إلى حد ما، وهذه المسافة عبارة عن طريق ترابي صعب كله مدقات وضيق جداً ويمر في العادة بمحاذاة الترعة التي تخترق القرية، ولذلك فالمواطنون عُرضة للحوادث الدائمة ليلاً، وسيارات الميكروباص ضحية لهذا الطريق لأنه طريق ضيق للذهاب والعودة، الصرف الصحي يضرب أنحاء القرية، الترعة ممتلئة بورد النيل الذي يسد مجرى المياه، أوتوبيس نقل عام واحد يأتي مرة كل 5 ساعات فقط وانقطع ولم يعد له وجود، مراكز الشباب طاردة للشباب، الجمعية الزراعية منذ الخمسينات كما هي عبارة عن مبنى قديم ومخزن أقدم، المسجد الوحيد في القرية التابع للأوقاف السجاد فيه تعدى عمره الافتراضي بمراحل، محطة القطار أُنشئت منذ أكثر من 70 عاماً وغرفة حجز التذاكر مثل جراج قديم، ويجلس رجل عجوز في غرفة أربعة جدران وبلا سقف لكنه قام بوضع أخشاب ليقوم بتسقيفها ويحتمى بها في الشتاء ليغلق ويفتح (المِسَك) - وهو المزلقان - في أوقات القطارات، وطبعاً هناك ضحايا من المواطنين للقطارات بصفة مستمرة نتيجة الإهمال.
أما وضع القرية الآن تغير بنسبة 100%، للأفضل، للأحسن، لوضع يليق بالمواطن المصري الواعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك