لا يزال الوقود الأحفوري، المتمثل في الفحم والنفط والغاز، يشكل العمود الفقري للطاقة على مستوى العالم، رغم ما يسببه من أضرار واسعة على المناخ والبيئة وصحة الإنسان.
وتحذر المؤسسات الدولية من أن استمرار هذا الاعتماد يهدد بزيادة الكوارث المناخية، وارتفاع أعداد الوفيات والأمراض المرتبطة بتلوث الهواء.
وتعتبر الأمم المتحدة، في تقرير لها، أن الوقود الأحفوري يُعد المصدر الأكبر لتغير المناخ عالمياً، إذ يتسبب في نحو 68% من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة، ونحو 90% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، كما أن معظم الطاقة الكهربائية، والطاقة الحرارية للتدفئة في العالم لا تزال تعتمد على الفحم والنفط والغاز، وهو ما يؤدي إلى زيادة الاحترار العالمي بوتيرة غير مسبوقة، مع تصاعد موجات الحر والجفاف والفيضانات وحرائق الغابات.
تشير المنظمة الأممية إلى أن قطاعات النقل والصناعة والبناء والغذاء تعتمد بدرجات كبيرة على الوقود الأحفوري، فالنقل وحده يتحمل مسؤولية النصيب الأكبر، حيث إنه ينتج نحو ربع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة، بينما تستهلك المباني السكنية والتجارية نحو 60% من الكهرباء عالمياً، وما زالت تعتمد بشكل واسع على الوقود التقليدي في التدفئة والتبريد.
الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، سيمون ستيل، حذر من الاعتماد على النفط والغاز، حيث بات الاعتماد على الوقود الأحفوري يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي والسيادة الاقتصادية، خاصة في أوروبا والدول المستوردة للطاقة، وقال الأمين التنفيذي للاتفاقية، في تصريحات له، إن الاعتماد على النفط والغاز ينزع الأمن والسيادة من الدول ويجعل الاقتصادات أكثر عُرضة للصدمات وارتفاع الأسعار، كما أبرزت أزمة الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز خلال 2026 هشاشة الاقتصاد العالمي المعتمد على الوقود الأحفوري، بعدما تعطل نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، واعتبرت الأمم المتحدة أن هذه الأزمة تمثل دليلاً إضافياً على الحاجة الملحة لتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة.
وكذلك قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، إن العالم يجب أن يتحرك بسرعة أكبر بكثير لتلبية الاحتياجات المتزايدة في مواجهة تفاقم أزمة المناخ وتصاعد التكاليف، مؤكداً أن التكيف مع تغير المناخ يُنقذ الأرواح، وعدم تمويله هو خلل في التضامن العالمي.
كما أظهر تقرير «كاربون ميجرز» لعام 2026 أن 32 شركة وقود أحفوري فقط كانت مسؤولة عن نصف انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية في عام 2024، ما يعكس الدور الضخم لعدد محدود من الشركات في استمرار الأزمة المناخية، بينما ارتبطت 100 شركة بأكثر من 70% من الانبعاثات الصناعية التاريخية منذ عام 1988، ويُعد «كاربون ميجرز» مشروعاً بحثياً بارزاً يهدف إلى تتبُّع وقياس الانبعاثات التاريخية للغازات الدفيئة التي تنتجها أكبر شركات الوقود الأحفوري والأسمنت في العالم، وأوضح التقرير أن الانبعاثات لا تزال ترتفع رغم نمو استثمارات الطاقة النظيفة، وأن العالم لا يزال بعيداً عن تحقيق الخفض المطلوب بنسبة 45% بحلول 2030 للحفاظ على هدف 1.
5 درجة مئوية، بحسب صحيفة «الجارديان» البريطانية.
على الصعيد العلمي، أجرت جامعة «هارفارد»، بالتعاون مع جامعات بريطانية، دراسة حول تأثيرات الوقود الأحفوري على الصحة العامة للبشر، أظهرت نتائجه أن تلوث الهواء الناتج عن الوقود الأحفوري تسبَّب في وفاة أكثر من 8 ملايين شخص خلال عام 2018 وحده، أي ما يعادل وفاة واحدة تقريباً من كل خمس وفيات على مستوى العالم، كما وجد الباحثون أن الجزيئات الدقيقة الناتجة عن حرق الفحم والديزل والغاز ترتبط بزيادة معدلات الإصابة بأمراض القلب، والسكتات الدماغية، وسرطان الرئة، والربو، والخرف، فضلاً عن زيادة احتمالات الوفاة المرتبطة بالأمراض التنفسية.
وأوضحت الدراسة أن المناطق الأكثر تضرراً من التلوث المرتبط بالوقود الأحفوري تشمل الصين والهند وجنوب شرق آسيا وأجزاء من أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث ترتفع معدلات الوفيات المرتبطة بتلوث الهواء بشكل واضح، كما أن الهند وحدها شهدت نحو 2.
5 مليون وفاة مرتبطة بهذا النوع من التلوث خلال عام 2018.
كما أشارت أبحاث حديثة نُشرت بمجلة «Arxiv1» العلمية الشهيرة، إلى أن الضرر البيئي للوقود الأحفوري لا يقتصر على مرحلة الحرق فقط، بل يبدأ من الاستخراج والنقل والتكرير، وتوضح دراسة حديثة عن الوقود البحري أن عمليات الإنتاج والتكرير والنقل قد تمثل أكثر من نصف البصمة الكربونية لبعض أنواع الوقود، وهو ما يعني أن الأثر المناخي يمتد عبر سلسلة الإمداد بأكملها وليس فقط عند الاستهلاك النهائي.
وكشفت دراسة علمية جديدة أعدَّها باحثون في أبريل الجاري أن انبعاثات محطات الكهرباء العاملة بالفحم والغاز والنفط ارتفعت بين 2019 و2025 في معظم أنواع الملوثات الرئيسية، بما في ذلك أكاسيد النيتروجين والجسيمات الدقيقة وثاني أكسيد الكبريت، وأكدت الدراسة أن الفحم لا يزال المصدر الأكبر للانبعاثات المرتبطة بالكبريت والنيتروجين والجسيمات الملوثة للهواء.
على الجانب الصحي، تحذر منظمة الصحة العالمية من الاستمرار في الاعتماد على الوقود الأحفوري، فهو يكلف العالم ملايين الأرواح سنوياً، ويزيد الضغط على الأنظمة الصحية والاقتصادات.
وتؤكد «الصحة العالمية» أن تلوث الهواء يتسبب في نحو 7 ملايين وفاة مبكرة سنوياً حول العالم، معظمها بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية والجهاز التنفسي، وأن كثيراً من هذه الملوثات ينتج مباشرة عن حرق الفحم والنفط والغاز، كما شددت المنظمة على أن الهواء النظيف يجب أن يُعامل كحق أساسي من حقوق الإنسان.
ووفقاً لتقرير «لانسيت كاونتداون 2025» الذي أعده 128 خبيراً من 71 مؤسسة علمية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، فإن ملايين الأشخاص يموتون سنوياً بسبب الاعتماد على الوقود الأحفوري، وارتفاع الانبعاثات، والفشل في التكيُّف مع تغير المناخ، وأكد التقرير أن 12 مؤشراً من أصل 20 مؤشراً رئيسياً لقياس المخاطر الصحية المرتبطة بالمناخ وصلت إلى مستويات قياسية غير مسبوقة.
وبحسب التقرير، فإن 12 مؤشراً صحياً رئيسياً مرتبطاً بالمناخ وصلت إلى مستويات قياسية، مع ارتفاع الوفيات الناتجة عن الحرارة الشديدة، وتزايد الأمراض المرتبطة بتلوث الهواء، كما تشير التقديرات إلى أن التخلص التدريجي من الفحم وحده ساهم في تجنب نحو 160 ألف وفاة مبكرة سنوياً بين عامَي 2010 و2022.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك