بين حماية الحق الفردي وتحقيق العدالة الإنسانية، يقف القضاء الجنائي على قاعدة راسخة مؤداها أن العقوبة ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق التوازن بين الردع والإصلاح، وهو ما يفرض على المحكمة أن تمارس دورها التقديري في تفريد الجزاء بما يتلاءم مع ظروف كل دعوى وملابساتها.
وقد تجلى هذا المفهوم بوضوح في الدعوى التي نُظرت أمام المحكمة الجنائية الكبرى الثالثة، إذ لم تقف المحكمة الموقرة عند حدود النص المجرد، وإنما امتد نظرها إلى ما أحاط بالواقعة من ظروف وملابسات، الأمر الذي انعكس بالضرورة على تقدير مدى الخطورة الإجرامية للمستأنفة.
وبتاريخ 13/04/2026، أصدرت المحكمة حكمها في الاستئناف، حيث قضت حضوريًا بقبول الاستئناف شكلاً، وفي الموضوع بتعديل الحكم المستأنف، والاكتفاء بحبس المستأنفة لمدة ستة أشهر بدلاً من سنتين، واستبدال عقوبة الحبس المقضي بها بالعمل في خدمة المجتمع.
وهو ما يعد تطبيقًا لأحكام القانون رقم (18) لسنة 2017 بشأن العقوبات والتدابير البديلة، والذي منح المحكمة سلطة تقديرية واسعة لاختيار الجزاء الأنسب، تحقيقًا للغاية الأسمى للعقوبة، والمتمثلة في الإصلاح قبل الردع.
ولم يكن هذا التعديل مجرد تخفيف للعقوبة، بل هو تعبير صريح عن تبني المحكمة لنهج العدالة المتوازنة، دون الإخلال بحق المجتمع في الحماية، حيث أدركت المحكمة أن الزج بالمستأنفة في عقوبة سالبة للحرية لمدة طويلة قد يفضي إلى آثار اجتماعية ونفسية جسيمة تفوق في ضررها الفعل محل الاتهام.
ومن ثم، فإن استبدال العقوبة بالعمل في خدمة المجتمع يحقق عدة غايات جوهرية، تتمثل في تحقيق الردع العام والخاص، إصلاح المحكوم عليها وإعادة دمجها في المجتمع، تجنب الآثار السلبية للعقوبات السالبة للحرية.
ويتفق هذا التوجه مع الاتجاهات الحديثة في السياسة الجنائية، التي لم تعد تنظر إلى العقوبة بوصفها جزاءً مجردًا، وإنما كوسيلة إصلاحية إنسانية توازن بين مصلحة الفرد والمجتمع.
كما يعكس هذا النهج بجلاء فهمًا عميقًا لروح القانون، إذ إن العدالة الحقيقية لا تتحقق بتغليظ العقوبة فحسب، وإنما بملاءمتها لظروف الواقعة، وهو ما جسدته المحكمة الموقرة حين أعملت سلطتها التقديرية على نحو يحقق الإنصاف بين حقوق المجني عليه وحق المجتمع وحق الجاني.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك