لم ينجُ" السرد الذاتي"، مع الثورة الرقمية، من الاتساع والخروج الفائق من الهويات التي تقع داخل الأشكال الأدبية التقليدية.
فالسيرة والرواية واليوميات والرحلات لم تعد وحدها الحقول الأساسية للتعبير عن الذات، لأنّ الوسائط الرقمية أفرزت أنماطا سردية جديدة تقوم على السرعة والتشظي والتفاعل اللحظي.
ففي كتابه الجديد" سرديات الهوية والهوية السردية/ السرد، الأنا، الآخر" (منشورات خطوط وظلال/ 2026)، ينفتح الناقد المغربي سعيد يقطين على أفق نظري واسع يجعل من السرد الذاتي إحدى الظواهر المركزية في الثقافة الإنسانية المعاصرة، انطلاقا من تصور يعتبر الإنسان كائنا يحيا عبر الحكي، ويعيد تشكيل ذاته من خلال ما يرويه عن نفسه وعن العالم.
وتبعاً لذلك، تأتي الهوية السردية بوصفها بنية متحركة تتخلق داخل الزمن، وتتجدد مع كل تجربة وكل وسيط وكل صيغة تعبير.
ولعل هذا ما يفسر انتقال الكتاب من الدراسات الأدبية إلى التفكير في التحولات التي فرضتها الثورة الرقمية على أشكال التعبير عن الذات، حيث صار السرد الذاتي مجالاً مفتوحاً على إمكانيات غير مسبوقة من التمثيل والتداول وإعادة بناء الصورة الشخصية.
ساهمت الثورة الرقمية، في مراجعة العلاقة بين الفرد وذاته، لأن الوسائط الجديدة أتاحت لكل شخص إمكانية إنتاج حضوره الخاص داخل الفضاء العمومي.
كما أن الذات لم تعد تتكئ، على أي مؤسسة ثقافية أو قناة نشر تقليدية كي تعلن عن وجودها.
فالشاشة فضاء يومي لتدوين الحياة في أدق تفاصيلها، نصاً وصوتاً وصورة وحركة.
يُدخل يقطين مفهوم الكتابة في علاقة مباشرة مع الصورة والصوتيكشف هذا التحول، كما يرى ذلك سعيد يقطين، عن انتقال عميق في مفهوم الهوية نفسها.
فالهوية الرقمية تمثل شكلا جديدا من تشكل الذات داخل الوسائط الحديثة، حيث تصبح الشخصية الرقمية كيانا سرديا قائما بذاته.
ذلك أن الفرد داخل الفضاء الرقمي يختار صورة تمنحه حضورا معينا أمام الآخرين.
ومن ثم، تتحول الهوية إلى عملية إخراج مستمرة للذات، تتداخل فيها الرغبة في حيازة الاعتراف مع الرغبة في صناعة صورة جذابة.
تأسيسا على هذا التحول، يعيد الكاتب صياغة مفهوم الكتابة نفسه، فيدخل السرد في علاقة مباشرة مع الصورة والحركة والصوت، مما يفضي إلى نقل مفهوم السرد الذاتي إلى أفق معرفي يتجاوز الحدود الزمنية والنوعية والوسائطية.
كل ذلك يجعل" السرد الذاتي" منفتحا على إمكانيات جديدة للبحث في طرائق تمثيل الإنسان لنفسه.
وفي هذا السياق، يلفت يقطين الانتباه إلى ثراء التراث العربي، من خلال السير الغيرية ومقدمات الكتب وكتب الرحلات والتراجم.
ذلك أن هذه النصوص تقدم، في رأيه، مادة هائلة لفهم تمثلات الذات داخل الثقافة العربية، لأنها تكشف عن وعي مبكر بقيمة الحكي في بناء الصورة الشخصية والعلمية والروحية.
بيد أن الرحلات تكتسب أهمية خاصة داخل هذا التراث، لأنها تجمع بين وصف العالم الخارجي وبناء صورة الذات الرحالة.
فالرحالة يكتب عن المدن والوجوه والعادات، وفي الوقت نفسه يكتب تحوله الداخلي وهو يعبر الأمكنة والثقافات.
لذلك تبدو الرحلة شكلا من أشكال السرد الذاتي الذي تتقاطع فيه المعرفة بالتجربة.
إن القيمة الأساسية للتحول الذي اعترى" السرد الذاتي"، كما يثبت ذلك يقطين، تكمن في اشتغاله على الهوية بوصفها فعلا سرديا متجددا، تتحقق عبر اللغة والصورة والذاكرة والتفاعل الاجتماعي.
كما أن الذات في هذا الأفق لا تظهر بوصفها جوهرا مستقرا، بل باعتبارها بناء متحركا يعيد إنتاج نفسه عبر الحكي.
وبذلك يصبح" السرد الذاتي" منصة مركزية لفهم الإنسان المعاصر، سواء في فضاء الرواية أو داخل العالم الرقمي أو في تراث الكتابة العربية الذي لا يزال يختزن إمكانيات واسعة للبحث والاستكشاف والتأويل.
يطرح سؤال إن كان ما نكتبه في الفضاء الافتراضي يعبر فعلاً عن ذواتناتكمن أهمية" السرد الذاتي" في هذا الكتاب، في الانتقال من سؤال" ما الهوية؟ " إلى سؤال" كيف تُسرد الهوية؟ "، أي أن النقاش ينتقل من وهم" الجوهر الثابت للهوية" إلى تتبع أشكال التغير داخل الخطاب الذي يعتري الهوية باستمرار، ما دامت تتشكل داخل علاقة معقدة بين الذات وصورتها وصور الآخرين عنها.
ومن ثم، فإن المؤلف يطمح إلى التقدم في" فهم الذات باعتبارها أخرى، وهي تحاول تشكيل صور وأنماط من الوعي بنفسها من جهة، وفي علاقتها بالآخر، ائتلافا واختلافا، من جهة أخرى، على الصورة التي تريد، أي على النحو الذي يرضيها، ويجعلها راضية عن نفسها، بوعي واقتناع، أو بوهم واستهام" (ص: 13)، خاصة مع الثورة الرقمية التي رفعت سقف الذات عاليا وساهمت في بروز ما يسمى بـ" الهوية الرقمية".
غير أن هذا التحول لا يخلو من مفارقات عميقة، لأن الانفتاح الواسع الذي أتاحته الوسائط الرقمية أمام الأفراد للتعبير عن ذواتهم، ترافق أيضا مع أشكال جديدة من القلق والتمثيل الاصطناعي للهوية.
فالإنسان المعاصر، وهو يروي نفسه باستمرار داخل الفضاء الرقمي، يجد ذاته محاصرة بمنطق العرض الدائم، حيث تصبح الحياة الخاصة مادة قابلة للنشر والتداول والتقييم اللحظي.
ومن ثم، لم يعد السرد الذاتي مجرد فعل بريء للتعبير عن التجربة الإنسانية، بل صار في كثير من الأحيان خاضعا لمنطق" الفرجة" و" الاستعراض".
هنا يطرح سعيد يقطين أحد أكثر الأسئلة تعقيدا في الثقافة الرقمية المعاصرة: هل ما نكتبه عن أنفسنا داخل الفضاء الافتراضي يعبر فعلا عن ذواتنا، أم أنه مجرد بناء تخييلي جديد نصنعه لكي نبدو بالصورة التي نرغب فيها؟ فالهوية الرقمية لا تعكس الذات كما هي، بل كما تريد أن تُرى (المحتوى الرقمي/ الفلترات/ المونتاج).
ولذلك، فإنّ السرد الذاتي داخل الوسائط الحديثة يتحول إلى ممارسة انتقائية، يتم فيها حذف ما لا يلائم الصورة المرغوبة، وتضخيم ما يمنح الذات بريقا اجتماعياً أو رمزياً، مما يحول الهوية الرقمية إلى نوع من" الإخراج السردي" المستمر الذي يخلط الحقيقة بالتخييل، والواقعي بالرغائبي، واليومي بالاستعراضي، والحقيقي الواقعي بالقناع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك