إن من فقه الأولويات أن يرعى المرء على المستوى الجيوسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي مصالح بلده، لأن هذا الأمر يعود عليه بالنفع أولا، ثم على ذويه ثم الذين يلونهم، إلى أن يموقع نفسه و بلده على مستوى الأمة العربية والإسلامية و العالم.
وإذا أردنا أن يكون بلدنا في مصاف البلدان المتقدمة فلزام علينا أن نلتزم الإصلاح في جميع القطاعات، لنفع الفرد المغربي أولا ثمّ المجتمع برمته.
فلا يمكن عقلا و لا منطقا لحركة سياسية او ثقافية أوحقوقيه تروم الإصلاح والتغيير أن تشتغل بالقضايا الجيوسياسية البعيدة، متناسية بذلك حاجيات المواطن الآنية، ففاقد الشيء لايعطيه.
إن مما نعتقده نحن المغاربة هو كون المغرب استثناء في هويته واختياراته، فهو بلد ذو هوية ممتدة عبر دهور شكلتها الأمازيغية والعبرانية و الرومانية والعربية الأندلسية.
طبعت هذه الهويات الغير قاتلة ثقافة ووجدان المغربي، فأهلته لمقارعة الأنداد من الملوك والرؤساء والأمم.
كما امتدّت أصالته الهوياتية إلى العمق القاري الإفريقي.
والشواهد التاريخية والحاضرة تدل على هذا الأمر خاصة في عهد المرابطين والسعديين، و مع انخراط عبيد البخاري المحررين في جيش السلطان المولى إسماعيل العلوي ليكونوا سندا عسكريا للمخزن، أي للسلطان الذي بيده السلطة المركزية وبيت المال.
كانوا قوة لا تجارى في الحروب قبل أن تحل الفوضى في نزاعهم مع جيش عرب لودايا في فاس ومكناس.
لقد شكلت كل هذه الروافد الشخصية المغربية وطبعتها بخصائص حضارية؛ لهذا يعتبر المغاربة بلدهم دولة أمة ضاربة في التاريخ، مما يفسر فخرهم بتاريخهم وقدرتهم على تجاوز ما يذكره التاريخ وتتناقله الأجيال من محن وأزمات.
إنها الروح المغربية التي فرضت وجودها الاعتباري وسيادتها منذ دهور فأسست إمارات و دولا أهمها دولا أمازيغية و دولة الأدارسة والمرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين والعلويين.
إن هذه الصورة أو السردية هي حقيقة تاريخية وواقعية.
ومع هذا فقد اكتنفتها أزمات وتحديات كان آخرها الاستعمار الأوروبي الإسباني والبرتغالي والفرنسي.
و هو من الدفه والتدافع التي هي سنة الله في خلقه.
شكل المغرب الأقصى عبر تاريخه الطويل ثغرا منيعا لا تؤتى من قبله الأمة العربية والإسلامية ولا يزال كذلك إلى أن يشاء الله.
و انفتح المغرب على العالم بطريقته فصدر مفهومه المعتدل للدين والتدين و اعتمد على البيعة الشرعية وإمارة المومنين.
و اعتنى بشراكات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية مع أمم وشعوب شتى.
و لا تزال المراسلات التاريخية بين المرابطين وحاضرة الفاتيكان، وبين السلطان المولى إسماعيل والملك الفرنسي لويس الرابع عشر، و معاهدة الصداقة المغربية الأمريكية الموقعة من طرف سلطان المغرب محمد الثالث بن عبد الله والرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكية توماس جفرسون سنة 1786 شاهدة على مكانة الأمة المغربية على الصعيد الدولي.
لقد كانت المملكة المغربية الشريفة، او ما اصطلح عليه فيما مضى باسم الأقطار المراكشية، امبراطورية شريفية تبز الإمبراطوريات القائمة آنذاك كالعثمانيين وروسيا القيصرية وبريطانيا وفرنسا وغيرها.
تصالح المغرب مع ذاته عند الاستقلال عام 1956، وأعرض عن مطالبة فرنسا بالاعتذار او التعويض لأنه رأى أن الأصلح هو المضي في سبيل التقدم الاقتصادي و الاجتماعي والثقافي والسياسي، و النهوض من كبوته وتخلفه كما قرر ذلك الإصلاحي الفقيه علال الفاسي في كتابه” النقد الذاتي”.
لقد ابتعد المخزن عن القومية العروبية والأيديولوجية الشيوعية، و اعتبر أن مصلحة البلد لا تكمن في القطيعة مع الإرث الديني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي المخزني.
إن كلمة المخزن هذه لها دلالة سياسية عميقة ولا تحمل معنى قدحيا، بل تعني إدارة تاريخية مركزية و سلطانية، تستحوذ على العنف المشروع وعلى الموارد و المقدرات الاقتصادية، لهذا اشتق اسم السلطة من المخزن الذي تذخر فيه الموارد المادية من غذاء ودواء و مال وأسلحة.
ولعل عبارة بيت المال هي المرادف الأنسب لعبارة المخزن.
لقد اقرت الدساتير المغربية المتعاقبة بالتعددية السياسية والثقافية والدينية; خلافا للمد الاشتراكي والشيوعي العام الذي طبع دولا عربية وإسلامية بسبب الاستعمار.
فالمغرب من هذا الوجه هو استثناء وحالة فريدة لأمة استطاعت ان تحافظ على وجودها منذ قرون عديدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك