أسكن في نفسي، فأجدني تائها سائحا في خيالي.
ما حقيقة هذا الخيال؟ وهل الخيال حقيقة؟ وكيف أرى؟ أكل هذا وهم؟ فما لي إلا أن أتذكر نفسي وسط زخات النفس الصائمة، تلك الزائرة في عالم من الصخب المعاد والحياة المؤقتة ما بين الأنا والأنا الآخر.
هل يحق لنا طرح أسئلة من دون أجوبة؟ ولماذا ضرورة الإجابة؟ هذه الحروف تجعلنا نختار ما بين السين والجيم، حروف تنطق، منها ما هو حلقي، والآخر قد يكون مجرد حرف عابر.
ولماذا الذال بها نقطة، والثاء بها ثلاث نقاط، والظاء لها امتداد، ولم شكل واحد للخاء والجيم والحاء؟ ولماذا أنواع من الألف والتاء والسين والشين؟ إنها أسئلة مشروعة للإنسان، قد يتوهمها من العالميين القائمين على أنفسهم.
فمتى نخرج من القاعدة؟ خارج القطيع والسرب.
من تكون، يا ابن آدم، لتضع قواعد كتابة كلمة (كلمت)، أستنقص شيئا؟ ولماذا نكتب من الأعلى إلى الأسفل؟ أليس هذا شكلا من أشكال التعالي والرفعة؟يا قلما، ما لك تمارس علينا ما يمارس عليك من ظلم، على ورقة كانت بيضاء؟ وهذا ما يجعل الإنسانية تحاول الدفاع عن نفسها بك.
ولماذا لا تدافع عن نفسك؟ لماذا تسكت في ظل هذا القمع العربي، الغربي، الأوروبي، الآسيوي، الأسترالي، الكوني؟رجوعا إلى سؤالنا القائل: لماذا التراتبية وتكرار الأشكال الهندسية في اللغة، بل وحتى تكرار نفس الحرف بأشكال مختلفة؟ قد تكون أسئلة مشروعة في زمن ما، وفي ومضة أو لحظة من اللحظات أتبكى وأحاكم الحروف.
فمن هذا الذي سيجرؤ ليحاكمني؟ أنا الذي أظنني معصوما وغير خاضع لمنطق الطبيعة.
فهذا قد يكون مجازا أو خرافة لنحاكم الحروف، ولكن من الذي يعطي الحق للناس ليحاكموا أولئك الأبرياء الذين يقتلون كل يوم؟ وليس بالضرورة الرحيل عن العالم لنسميهم موتى، فالميت هو الذي لا يقدر على الدفاع عن نفسه.
متى أحاسب نفسي وأنا أكرر نفس الأفكار؟ فمن يراقبني يضع عني سلاسل لأعرف أخطائي، ترهاتي، حماسي، خمولي.
هل سأظل من دون إرشادات وتوجيهات؟ أنا أختار نفسي، وأنت ماذا ستختار؟ هذا لا يعني أنني ضد أي كان، بل أنا ضد القانون الذي قد يسري علينا، قانون وضع في ظاهره للحماية، لكنه في حقيقته ضد الأنا ومع المشرع.
ومن يكون هذا المشرع الذي يفرض قانون إعدام الأسرى؟ فما ذنبهم؟ الأسرى هم الأسرى، ولكن أولئك العملاء، ما الذي جعلهم خاضعين لقانون؟ ينطبق نفس الأمر على النقابة أو الحزب أو المنظمة أو الجمعية أو الكيان أو الدولة، فبداخل كل نظام هناك نظام آخر، وفوق كل ذي علم عليم.
أهرب بين الأفكار، نعم، هذا لا يجوز وفق منطق اللغة، لكنني أسير وفق هواي.
فما يجعلني أتنقل بين عتبات الفكر والأفكار والتفكر والتفكير هو حاجتنا الكبيرة إلى التفكير بعدل، ومن دون شوائب أو فرامل أو أي منطق آخر يجعلنا سجناء الذات أو قوما من التبع الذين أصبحنا نتبعهم لا وفق قناعة، بل وفق خوف متوارث، أو عادة مكرورة، أو وهم لبس ثوب الحقيقة.
وهنا، أسأل نفسي للمرة الأخيرة: أأنا من أفكر، أم أن الأفكار هي التي تفكر بي؟ أأنا من أختار، أم أن الاختيار كتب لي قبل أن أولد؟قد لا أجد جوابا، وقد لا أحتاجه أصلا، فبعض الأسئلة خلقت لتبقى معلقة، لا لتجاب.
يكفيني أنني وعيت بها، وأنني تجرأت على طرحها، وأنني، ولو للحظة، خرجت عن السرب، ووقفت وجها لوجه أمام ذاتي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك