دخل المذيع فى إذاعة «صوت العرب» ديمترى لوقا، على رئيس الإذاعة أحمد سعيد، يبلغه بأن هناك سيدة تطلب مقابلته، وأنها من طرف سلطان المغرب «محمد الخامس» الذى يعيش منفيا فى مدغشقر منذ أن خلعه الاحتلال الفرنسى فى أغسطس 1953، ونفاه إليها وعين بدلا منه محمد بن عرفة.
كانت الزيارة غريبة ومفاجأة مساء 23 أبريل، مثل هذا اليوم، 1955، وغرة شهر رمضان 1374 هجرية، حسبما يذكر أحمد سعيد فى مذكراته «غير المنشورة، وبحوزتى صورة منها»، وجاءت فى توقيت كانت «صوت العرب» الصوت الإعلامى العربى الأقوى والمؤثر فى مساندة نضال الشعب المغربى ضد الاحتلال الفرنسى، ومساندة محمد الخامس، ومساندة الثورة الجزائرية فى كفاحها المسلح.
يكشف سعيد: وجدتنى أسابق ديمترى «المهاجر إلى كندا فيما بعد» إلى خارج مكتبى، حيث وقعت عينى على فتاة بشرتها أقرب إلى السواد منها إلى السمار، واندفعت أسألها: من عند السلطان محمد؟ ، فتجيب: سلطان المغرب، يؤكد سعيد: «دعوتها للدخول والجلوس لأسمع أنبل وأذكى ما أهدانى مسؤول عربى يخدم به قضية بلاده».
كانت السيدة تتحدث بالفرنسية، ويقوم «ديمترى» بالترجمة بينها وبين «سعيد»، وقدمت نفسها: «فاطمة الزهراء أحمد حميرى» من أصل يمنى، وتعمل ممرضة، واختارها الطبيب الفرنسى للسلطان محمد الخامس لمرافقته ليل نهار كى ترعاه فى مرضه بالصدر والرئة، وأضافت: «السلطان أرسلنى إلى صوت العرب ومسؤول فيه اسمه أحمد سعيد»، يؤكد سعيد: «اندفعت قائلة بأداء يشبه أداء تلميذ يردد درس محفوظات: السلطان يشكر صوت العرب، ويقول إن تجاهل ذكر البربر فى الراديو مع الجزائر ضار أكثر من نافع، الحديث معهم بالإسلام.
قليل العروبة.
وكثير الإسلام، اذكروا أن «بن باديس» فى الجزائر بربرى صنهاجى، وعلال الفاسى يزودكم بأسماء أولياء وأئمة مغاربة بربر قادوا جهادا.
يذكر «سعيد» أن هاجس المسؤولية فى الاطمئنان إلى المصدر جعله يسألها عن سر ثقة السلطان فيها، وتكليفه لها بهذه المهمة، فكشفت أنها رافقته نحو ثلاثة أشهر مقيمة فى المنزل، وأنه أنس إليها خاصة عندما أنقذت ابنته الأميرة عائشة من لدغة ثعبان أثناء وجودها فى حديقة البيت، وبعدها عاملتها الأميرة مثل الأخت، وكانت لها حجرة بجوارها، وأن أمها جاءت لزيارتها بعد شهر فحرص السلطان على استقبالها والحديث معها، وسعد بها حين وجدها تحفظ فاتحة القرآن الكريم وبعض سوره باللغة العربية عن والدها «جد فاطمة» الذى يعيش على أمل أن يحج بيت الله أو يعتمر، وأنه يعطى شيخ المسجد مبلغا من كسبه كل يوم جمعة من الصيد منذ سبع سنوات ليحتفظ به حتى يتم نفقات الحج أو العمرة، ولما عرف السلطان محمد الخامس ذلك، وعد الأسرة «فاطمة ووالدها وجدها وأمها» بتحقيق أمنيتها، ونفذ وعده بأن يعتمروا فى هذا العام 1955.
فى الطريق إلى العمرة مرت الأسرة بالقاهرة ومنها بالطائرة إلى الحجاز، وطلب السلطان من «فاطمة» وحدها أن تحمل ثلاث رسائل شفهية إلى القاهرة، إلى، أحمد سعيد فى صوت العرب، والزعيم المغربى علال الفاسى اللاجئ فى مصر، والإمام الأكبر شيخ الأزهر، ويؤكد سعيد: «طلبت منى مساعدتها فى توصيلها، ووجدت أنه لا بد من إبلاغ فتحى الديب «مسؤول الشؤون العربية برئاسة الجمهورية»، وطلبته تليفونيا من غرفة مجاورة، وشرحت له القصة، فطلب منى مصاحبتها بنفسى إلى الفندق حيث تقيم.
يكشف «سعيد»، أن «الديب» رتب اللقاء بين فاطمة الزهراء وشيخ الأزهر، وكانت رسالة السلطان إليه هى توصيته بزيادة رعايته للدارسين المغاربة فى الأزهر بالتعاون مع رئيس حزب الاستقلال علال الفاسى، وخاصة بعد أن علم فى منفاه أن حكومة «الجلاوى» الذى عينتها سلطات الاحتلال الفرنسى أوقفت إرسال مستحقاتهم لرفضهم إعلان تأييدهم له، وطالبتهم بالعودة إلى المغرب، ويضيف سعيد: «الرسالة إلى علال الفاسى فلم تخرج عن الرسالة إلى شيخ الأزهر عدا قوله: «المغرب فى عنق علال الفاسى ووفقه الله فى أدائها».
يختتم أحمد سعيد روايته عن هذه القصة المثيرة، قائلا: فور أن علم الرئيس جمال عبدالناصر بمهمة فاطمة الزهراء، أمر باستضافتها وأسرتها عند عودتهم من عمرة رمضان فى طريقهم إلى «دار السلام» ومدغشقر، وشراء هدايا قيمة لهم بالإضافة إلى عشر نسخ مغلفة من «المنتخب فى تفسير القرآن الكريم»، الذى تلقى نسخته الأولى من وزير الأوقاف الشيخ أحمد حسن الباقورى، وطلب من فتحى الديب أن يكلف فاطمة وأمها بتقديم نسخة منها إلى السلطان وتقولان له بالعربية أو الفرنسية: «أخوك فى مصر يقول لك: وبشر الصابرين.
صدق الله العظيم».
يؤكد سعيد: قام فتحى الديب بالواجب المستحق دون أن ينسى واجبه كرجل مخابرات مسؤول، فيضع خطة وبدائل لها لتيسر الاتصالات السرية بين السلطان فى منفاه ومصر وعلال الفاسى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك