الحرب الحالية التي لا نرى نهايتها بعد، ستجلب معها بلا شك شرق أوسط جديداً، لكن ليس بالضرورة شرق أوسط حلم به شمعون بيرس الراحل.
الاستثمار الهائل والجهد العظيم الذي وظفته إيران بتحقيق قدرة نووية، خلق فهماً لدى دول المنطقة بأن السلاح النووي هو بوليصة التأمين الوحيدة التي تضمن الوجود في هذه الحارة السيئة.
بكلمات أخرى، هذه الحرب خلقت في المنطقة حاجة استراتيجية عاجلة لسلاح نووي.
الجني النووي خرج من القمقم وقد يجعل الشرق الأوسط المكان الأكثر تفجراً في العالم، حيث يمكن لكل خطأ في التفكر أن يكون مصيرياً ومأساوياً.
كما تسببت هذه الحرب بانهيار أسوار الردع.
فقد بات هذا واضحاً في تسريع جلي لبرامج النووي المدني، الذي يبدو ظاهراً كنووي لأغراض سلمية في منطقتنا، كحال السعودية التي توصلت مع الولايات المتحدة إلى “اتفاق 123”.
وهذا اتفاق نووي بكل معنى الكلمة، فيما أعلنت السعودية بالتوازي إصرارها على حقها في تخصيب اليورانيوم على أراضيها.
أما في مصر فتقدم مشروع محطة الطاقة النووية في الضبعة كثيراً في السنتين الأخيرتين.
يدور الحديث عن مشروع روسي لأغراض إنتاج الكهرباء، وعملياً هذا مفاعل نووي نشط، يؤهل فيه الروس مئات مهندسي نووي مصريين، فيما الميل واضح – سباق نحو قدرات نووية عسكرية.
في تركيا يفترض بالمفاعل النووي “آق قويو” أن يبدأ بتوريد الكهرباء في الأيام القريبة القادمة، وواضح أن هذا المفاعل يشكل بنية تحتية لقدرة نووية عسكرية بخاصة بعد أن سبق لأردوغان أن صرح غير مرة بأنه لا سبب يحول دون أن تكون تركيا نووية.
إلى جانب هذه الحقائق، يجدر التشديد على أن هذه الحرب أثبتت أن رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية أصبحت عملياً غير ذات صلة، بخاصة فيما تعلمنا من الإيرانيين بأن الميل ليس سوى نقل النشاط في مجالات النووي إلى منشآت تحت أرضية عميقة جداً في حالات عديدة تحت الجبال، أماكن يصعب الرقابة عليها ومهاجمتها، والتصدي لهذا الوضع يستوجب تفكيراً متجدداً وعميقاً.
ترى إسرائيل أن هذه الحرب ولدت ثلاثة تهديدات كبيرة: أولها هو إنتاج أكثر من 10 قنابل نووية من الـ 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب المدفونة – المخبأة في الأراضي الإيرانية.
التهديد الثاني هو “قنبلة قذرة” بوزن 400 – 500 كيلوغرام من المواد المتفجرة التقليدية، المغلفة بحزام من مواد إشعاعية يمكن الحصول عليها وإطلاقها بواسطة الصواريخ.
قنابل من هذا النوع لا تتطلب معرفة وقدرات خاصة؛ فهو سهل الإنتاج.
والمهم أن إيران قد تزود بها محافل إرهاب، بينها حماس وحزب الله والحوثيين، دون مشكلة.
التهديد الثالث هو قدرة إنتاج قنابل نووية صغيرة.
يدور الحديث عن سلاح نووي فتاك بكل معنى الكلمة، ببساطة محدود في نطاق الضرر الذي قد يحدثه.
بالنسبة لدولة صغيرة كإسرائيل، فمع تجمع للسكان بين الخضيرة والجديرة، فهذا بالتأكيد فتاك.
الموضوع أن إنتاج مثل هذه القنبلة إشكالي أكثر تكنولوجياً.
لإيران قدرة على إنتاج بضع قنابل كهذه، هي الأخرى قد تنقلها لوكلائها في المنطقة أيضاً.
هذه التهديدات تكمن في قلب مفهوم الأمن لدولة إسرائيل.
يدور الحديث عن تخوف عقلاني في الوقت الذي يتعاظم فيه الخوف من أن منظمات الإرهاب كحزب الله وحماس والحوثيين، ممن ليس لديهم مسؤوليات قومية ولا يمكن ردعهم، مثل دولة ذات سيادة، ربما يستخدمون سلاحاً من هذا النوع.
لقد أثبتت الحرب ضدهم بأننا على ما يبدو إلى الأبد سنعيش هنا على حرابنا.
وإذا كان كذلك، فمن الأهم أن نشحذ هذه الحراب في كل مرة من جديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك