كيف تكون صمام أمان حقيقيا للشعب؟ما زلت أكتب كثيرا، بل كثيرا جدا، غير أنني أحول هذه الكتابات في النهاية إلى فيديوهات أنشرها على صفحاتي في مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وهي التي تجد تفاعلا جيدا جدا، وأجد نفسي أقضي ساعات طويلة من الليل للرد على التعليقات التي تردني مهما كانت توجهاتها، وخاصة تلك التي تختلف مع طرحي تماما.
لا أترك أي تعليق إلا وأرد عليه.
مررت بفترات طويلة من الحزن الشديد؛ لكون الفيديوهات تجد تفاعلا كبيرا لا يمكن مقارنته بذلك التفاعل الخجول على المقال المكتوب، ولا أخفيكم سرا أنني قاومت لفترة سحر الفيديوهات، حتى استسلمت له في النهاية.
على الرغم من أنني أكتب منذ زمن ليس بالقصير، فلم يحدث -ولو لمرة واحدة- أن استوقفني أحد وبدأ يناقشني حول مقال لي كما يحدث اليوم حول فيديوهاتي، كما لم يستوقفني أحد ويصافحني بحرارة مبالغ فيها حين أشعر بخجل شديد لأنني لم أتذكر من هو، أو لا أتذكر اسمه، حين يستطرد ويقول لي: " أنا من متابعيك أستاذ، وأنتظر فيديوهاتك وتحليلاتك بشغف".
أثناء الكتابة أجد نفسي غير قادر -ربما- على الخوض في السياسة كما أفعل حين أشرع في تصوير فيديو، وأنا الذي أصور بشكل بدائي للغاية، وليس لدي موعد محدد لنشر فيديوهاتي كما يفعل كبار المحللين والكتاب -الذين لست منهم طبعا- ومع ذلك، فور نشري للفيديو يبدأ التفاعل والأسئلة والتعليقات والمشاهدات الكبيرة.
مهما كان عنوان المقال جذابا، ومهما استحوذ متنه على أسرار وأخبار ومواقف، فإنه يبقى في الحد الأدنى من التفاعل، فكيف إن كان المقال لكاتب متواضع أو مدون مغمور؟وفي الحقيقة، أبذل جهدا يسيرا للغاية -إن كان هذا جهدا- لانتقاء كلمات تفلت من الخوارزميات وتلتف عليها؛ كي لا يُحظر الفيديو أو الصفحة.
لكن هناك سرا آخر أخبركم به الآن، وهو أن هذا التفاعل سببه -ربما- أن الشعوب متعطشة لرؤية من يتحدث عما يدور في خاطرها، ويعبر عن مشاعرها الحقيقية التي لا تستطيع البوح بها، أو لا تجيد التعبير عنها، وخاصة السياسية منها.
فهؤلاء لا يقرؤون بقدر ما يشاهدون.
مهما كان عنوان المقال جذابا، ومهما استحوذ متنه على أسرار وأخبار ومواقف، فإنه يبقى في الحد الأدنى من التفاعل، فكيف إن كان المقال لكاتب متواضع أو مدون مغمور؟ والحقيقة أنني حزين لهذا الأمر، الذي قلل إلى حد كبير من القراء -وهم قلة أصلا- في عالمنا العربي.
لكن هناك شيئا جميلا لا يمكن نكرانه، وهو أن الوعي المتراكم اليوم لدى الشعوب بات أضخم وأكبر، ولا يمكن مقارنته بذلك الذي كان يتراكم فقط لدى القراء القلائل؛ فتلك الفيديوهات التي ينشرها المدونون والكتاب، وحتى الناس العاديون الملتزمون، بشأن هموم أمتنا، تترك أثرا هائلا في الوعي المتراكم، الذي بات يشكل أمواجا جارفة في وجه التجهيل والسيطرة على الحشود وطمس الحقائق.
اليوم، باتت زحزحة الجبال من أماكنها أقل صعوبة من زحزحة مواقف الشعوب واللعب بوجدانها، والذي نراه اليوم من تراكم للوعي لدى الشعوب هو الذي سيشكل اصطفافا من نوع آخر، ستكون له كلمته الأخيرة في كل شيء.
كل شيء.
والذين يستلهمون هذه الجزئية البسيطة، بعيدا عن صرف الدولارات، سيشاركون شعوبهم هذا الاصطفاف الذي سيقود إلى التغيير الذي بات لا بد منه.
حينها، لن يكونوا خارج هذا التغيير، وسيكونون صمام الأمان الحقيقي لشعوبهم، الذي لن يتلف أبدا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك