غزة – «القدس العربي»: في قلب المعاناة التي تعصف بقطاع غزة، حيث تحول الرغيف إلى حلم والعمل إلى معجزة، لم يعد الدمار مقتصرًا على الحجر والشجر، بل امتد ليضرب العصب الحيوي للحياة اليومية: «الحساب البنكي».
ففي ظل انهيار اقتصادي غير مسبوق، تحولت التحويلات المالية الخارجية من مجرد أرقام في دفاتر المصارف إلى «أنابيب أكسجين» تمد آلاف الأسر المنهكة بما يبقيها على قيد الحياة.
لكن هذه الأنابيب باتت اليوم تعاني من انسداد حاد، ليس بسبب نقص الأموال فحسب، بل بفعل قيود مصرفية وإجراءات تجميد وضعت المواطن البسيط بين خياري الموت جوعًا أو سلوك طرق التفافية محفوفة بالمخاطر.
في منطقة المواصي غرب خان يونس، حيث تكتظ الخيام وتتداخل الأسواق الشعبية البسيطة، يقف الشاب «نضال السبع» خلف بسطته الصغيرة، وعيناه لا تغادران شاشة هاتفه المحمول.
ينجز نضال صفقات بيع بسيطة، ويستلم أثمانها عبر تطبيق بنكي، لكن المفارقة تكمن في أن الحساب الذي تودع فيه الأموال لا يخصه.
يقول نضال، بنبرة يملأها الأسى، لـ «القدس العربي»: «لقد اضطررت إلى استئجار هوية مصرفية من شخص آخر مقابل مبلغ مالي شهري ثابت.
لم يعد هذا ترفًا، بل هو السبيل الوحيد كي أتمكن من شراء البضاعة وبيعها.
من دون حساب بنكي نشط، أنا ميت تجاريًا».
هذه الظاهرة، التي باتت تعرف بـ «استئجار الحسابات»، لم تعد حالات فردية، بل تحولت إلى «سوق موازية» فرضتها ظروف الحرب وتعطل النظام المصرفي التقليدي.
خلف كل حساب مستأجر قصة قهر.
«أبو إبراهيم الخالدي»، نازح من شمال القطاع، وجد نفسه بلا أوراق ثبوتية بعد أن دمر منزله.
يقول لـ «القدس العربي»: «استخرجت هوية بدل فاقد، وحاولت فتح حساب بنكي لكن الأبواب كانت مغلقة.
اليوم أعمل عبر حساب صديق يقتطع نسبة من كل عملية بيع.
لكن الوجع الأكبر هو حين «يلمّ» الحساب».
وعبارة «الحساب لمّت» أصبحت مصطلحًا يوميًا يثير الرعب في غزة، وهي تعني تجميد الحساب فجأة.
ويضيف أبو إبراهيم: «بمجرد وصول تحويلات صغيرة متكررة، يغلق الحساب دون سابق إنذار، ونعود إلى نقطة الصفر».
ويرتبط هذا التضييق بسقف مالي لا يتجاوز ألفي دولار شهريًا، وهو رقم يراه التاجر يوسف كمال، الذي يدير بسطة توابل، غير واقعي بتاتًا.
ويقول: «في ظل الغلاء الفاحش، قد يتجاوز ثمن صنفين من البهارات هذا السقف، وعندها يجد التاجر نفسه محظورًا، ناهيك عن ضعف الإنترنت وخطر القرصنة الإلكترونية التي تتربص بأرصدتنا الشحيحة».
مطرقة الرقابة الدولية وسندان الواقعأمام هذه الصرخات، تبدو الصورة من منظور المؤسسة المصرفية أكثر تعقيدًا وارتباطًا بالضغوط الخارجية.
وفي تصريح لـ «القدس العربي»، أوضح هاشم الشوا، رئيس مجلس إدارة «بنك فلسطين»، الموقف قائلًا: «نحن ننفذ أوامر سلطة النقد، التي أرسلت كشفًا بأسماء مئات الأشخاص وأمرت بتجميد حساباتهم، نظرًا إلى وجود شبهات حول التحويلات المالية التي ترد إليهم من الخارج».
من جانبه، كشف يحيى شنار، محافظ سلطة النقد الفلسطينية، لـ «القدس العربي» حجم الضغوط التي يتعرض لها النظام المالي الفلسطيني، قائلًا إن الخيارات كانت مريرة: «توجد جهات رقابية دولية وأمريكية وإسرائيلية تراقب الحسابات البنكية.
وقد رصدت هذه الجهات تحركات مالية في تلك الحسابات رأت أنها «مشبوهة» أو تثير إشكاليات».
ويضيف: «كان القرار إما تجميد هذه الحسابات، أو تعريض النظام المصرفي والمالي في فلسطين لأزمات كبرى قد تصل إلى إغلاق بعض البنوك.
لذا كان الاختيار هو «دفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر» عبر تجميد الحسابات».
تشير تقديرات أممية إلى انكماش مرعب في اقتصاد غزة بنسبة 83% خلال عام 2024.
وهذا الانهيار، مضافًا إليه تضرر 95% من البنية التحتية المصرفية، حيث لا يعمل سوى 9 فروع جزئية في القطاع كله، دفع الناس نحو مقاصل «السوق السوداء».
محافظ سلطة النقد لـ «القدس العربي»: جهات رقابية دولية وأمريكية وإسرائيلية تراقب الحسابات، وخيار التجميد لدفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغرالمواطن خليل إبراهيم، نازح في دير البلح، يتحدث بمرارة عن طوابير الانتظار التي تمتد أيامًا أمام فروع البنوك القليلة.
ويشير لـ «القدس العربي» إلى أن من يملك رصيدًا بنكيًا ويريد تحويله إلى «سيولة نقدية» يضطر إلى دفع عمولات تصل إلى 25% إلى «أصحاب الكاش».
وتجار الكاش، أو صرافو الظل، هم وسطاء ماليون غير رسميين برزوا قوة مهيمنة في اقتصاد الحرب داخل قطاع غزة، حيث يستغلون جفاف السيولة النقدية في المصارف الرسمية لبيع «الكاش» مقابل أرصدة بنكية إلكترونية.
ويرتكز نشاطهم على عملية «التسييل» التي يقتطعون من خلالها عمولات باهظة تصل إلى ربع قيمة المبالغ المحولة، مستفيدين من حاجة المواطنين والنازحين الماسة إلى النقد لتأمين احتياجاتهم اليومية، مما جعلهم المحرك الأساسي لشبكات استئجار الحسابات البنكية هربًا من الرقابة وتجاوزًا للقيود المصرفية.
وهنا تظهر «جدوى» استئجار الحسابات، فالتاجر «إسماعيل»، الذي يدير بسطة سلع غذائية في مخيم النصيرات، يفضل دفع 700 شيكل شهريًا لصاحب حساب بنكي على أن يخسر ربع ماله في عمولات التسييل.
ويقول إسماعيل: «أدفع من ربحي لأستأجر حسابًا يضمن لي الاستمرار.
أتمنى فقط أن تشعر البنوك بهذا الشعب وتسهل الإجراءات».
ويرى الخبير الاقتصادي محمد أبو جياب أن هذا المشهد القاتم ليس إلا انعكاسًا لـ «تصدع بنيوي أصاب دور الوسيط المالي في غزة»، حيث أدت أوزار الحرب والقيود الخانقة على المنظومة المصرفية إلى تشويه الوظيفة الأساسية للحساب البنكي.
فبدلًا من أن يكون أداة لتيسير العجلة الاقتصادية، استحال إلى «سلعة تعرض للإيجار والمقايضة» في الأسواق.
ويحذر أبو جياب من أن سياسة تجميد الحسابات هي المحرك الفعلي الذي يدفع الناس دفعًا نحو هذه المسارات الملتوية، مؤكدًا أن استمرار هذا الوضع سيؤدي بالضرورة إلى «تضخم اقتصاد مالي موازٍ» يصعب كبحه أو إخضاعه للمعايير الرقابية في المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك