لا نصل إلى الذكرى عبر التفكير، بل عبر استجابة مباشرة، كأن الرائحة تعرف الطريق إلى الداخل قبل أن ننتبه نحن لما يحدث.
هذه الخصوصية تجعل ذاكرة الروائح مختلفة عن سواها.
فالصورة قد تحتاج إلى تأمل، والصوت قد يفتح بابًا تدريجيًا، أما الرائحة فتعمل على نحو مباغت وحميمي.
تدخل الرائحة من دون استئذان، وتستحضر معها طبقة كاملة من الإحساس بالمكان، والوقت، والحالة النفسية، بل والوجوه أحيانًا.
لذلك يبدو أثرها قويًا إلى درجة يصعب اختزالها بالكلمات.
الرائحة لا تستعيد المشهد فقطحين تعيد إلينا رائحة ما ذكرى قديمة، فهي لا تسترجع الصورة وحدها، بل الجو بأكمله.
فقد يعود بيت قديم، أو ممر مدرسي، أو ظهيرة صيف، أو خزانة ملابس، أو حضن عابر، أو سفر بعيد.
ما يعود ليس مجرد معلومة عن لحظة مضت، بل ملمسها العاطفي أيضًا.
ترتبط الروائح غالبًا بتجارب يومية عميقة: بالأكل، والبيت، والناس، والانتظار، والمواسم، والأمان، أو حتى بالخوف والفقد.
لذلك تصلنا محمّلة بما هو أكثر من أثر حسي، كأنها تحمل مفتاحًا قديمًا لذاكرة مغلقة منذ زمن.
وفي كثير من الأحيان، تأتي هذه الاستعادة على نحو مفاجئ، من دون أن نكون في مزاج الحنين أو التفكير بالماضي، فتغيّر طبقة الشعور دفعة واحدة.
ربما لأن الروائح لا تُرى ولا تُمسك بسهولة، فإنها تتسلل إلى الداخل بطريقة خاصة، إنها لا تفرض حضورها كالصورة، ولا تحتاج إلى انتباه كامل كالكلام، بل تعمل في الخلفية.
ومع التكرار، ترتبط بأمكنة وأشخاص وفصول وأعمار، من دون وعي مباشر.
وبعد سنوات، تعود فجأة لتكشف أنها كانت تحفظ كل شيء بصمت.
بعض الروائح تحمل تعقيدًا خاصًا؛ قد تجمع بين الفرح والوجع، بين الطمأنينة والغياب.
رائحة شخص رحل، أو بيت تغيّر، أو مدينة لم نعد نعيش فيها، يمكن أن تعيد شعورًا مزدوجًا: دفء يلامس القلب، وخسارة لا تختفي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك