لم يعد التواصل الانتخابي في المغرب مجالا تتحكم فيه فقط الشعارات والبلاغة السياسية، بل صار فضاء مضبوطا بمنظومة قانونية وتنظيمية متشابكة، تتقاطع فيها القوانين الانتخابية مع قواعد الإعلام السمعي البصري، ومقتضيات الصحافة والنشر، وضوابط حماية المعطيات الشخصية.
وقد زادت التعديلات الأخيرة، المنشورة ضمن الجريدة الرسمية عدد 7478 بتاريخ 29 يناير 2026، من هذا التشابك حين أدخلت لأول مرة، بصياغة صريحة، شبكات التواصل الاجتماعي، وشبكات البث المفتوح، والمنصات الإلكترونية، والتطبيقات المعتمدة على الأنترنت، بل وحتى أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى صلب التجريم الانتخابي والتنظيم القانوني للحملة.
وأول ما ينبغي تأكيده هو أن التواصل الانتخابي في المغرب لا تنظمه “مذكرة” واحدة جامعة، بل تنظمه طبقات من النصوص المتكاملة.
ففي قلب هذا البناء يوجد القانون رقم 57.
11 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية والاستفتائية، إلى جانب القانون التنظيمي رقم 27.
11 المتعلق بمجلس النواب، والقانون التنظيمي رقم 59.
11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية، ثم القرارات التنظيمية الصادرة عن الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري، ومداولات وبلاغات اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.
وبهذا المعنى، فإن “القانون الانتخابي” في شقّه الإعلامي والرقمي هو في الحقيقة شبكة قواعد، لا نصا منفردا.
في الشق السمعي البصري، يظل المبدأ الحاكم هو ضمان التعددية والإنصاف والحياد.
فالقانون التنظيمي رقم 59.
11 ينص صراحة على أن الاجتماعات الانتخابية تخضع للتشريع الجاري به العمل في شأن التجمعات العمومية، وأن الدعاية الانتخابية تخضع للتشريع الجاري به العمل في شأن الصحافة والنشر، كما يفرض على الإعلانات الانتخابية احترام المادة 118 من القانون 57.
11.
ويضيف النص نفسه، كما يفعل القانون التنظيمي رقم 27.
11 بالنسبة لانتخابات مجلس النواب، حظرا واضحا للحملة في أماكن العبادة، ومؤسسات التعليم والتكوين، والإدارات العمومية، كما يمنع على الموظفين العموميين وأعوان الإدارة والجماعات الترابية توزيع وثائق المترشحين أثناء مزاولة مهامهم، ويمنع توزيع البرامج والمنشورات يوم الاقتراع، ويحظر تسخير وسائل وأدوات الهيئات العامة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية لفائدة الحملات الانتخابية.
كما أخضع استعمال المواكب والمسيرات المتنقلة واللافتات ومكبرات الصوت لإشعار كتابي مسبق لدى السلطة الإدارية المحلية.
أما في ما يتعلق بالإعلام السمعي البصري نفسه، فإن القرار رقم 37.
21 الصادر عن المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري شكّل الإطار التنظيمي المرجعي للفترة الانتخابية، إذ ألزم خدمات الاتصال السمعي البصري بضمان مدد بث منصفة ومنتظمة لجميع الأحزاب السياسية، وشروط برمجة متكافئة، مع مراعاة التعددية اللغوية، والعمل على مواكبة الأحزاب في تحقيق المساواة بين الجنسين داخل برامج الفترة الانتخابية، وضمان حضور النساء والشباب ومغاربة العالم والأشخاص في وضعية إعاقة في النقاش العمومي الانتخابي.
كما شدد على حياد البرامج، ومنع استغلال الصحافيين والمنشطين لمواقعهم للتعبير المتحيز، ومنع ظهور الصحافيين أو مقدمي البرامج إذا كانوا مترشحين، منذ الإعلان الرسمي عن الترشيحات إلى غاية انتهاء التصويت.
وفي هذا المستوى أيضا، كان المشرع والهيأة التنظيمية واضحين في ما يخصّ استطلاعات الرأي والصمت الانتخابي السمعي البصري.
فقرار الهاكا 37.
21 منع بث نتائج كل استطلاع رأي له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالانتخابات خلال الفترة الممتدة من اليوم الخامس عشر السابق لانطلاق الحملة الرسمية إلى غاية انتهاء التصويت، وفرض خارج هذه الفترة إرفاق أي استطلاع ببيانات دقيقة حول الجهة الطالبة، والمؤسسة المنجزة، وموضوع الاستطلاع، والعينة، والمكان، والتواريخ، وهامش الخطأ.
كما منع أي محتوى ذي طبيعة انتخابية لفائدة الأحزاب طوال يوم الاقتراع، ومنع بث النتائج قبل انتهاء عملية التصويت على المستوى الوطني.
وعلى مستوى القانون 57.
11 بعد تعديله في 2026، اتسع المنع ليشمل، صراحة، أي نشر أو إذاعة أو توزيع لاستطلاعات الرأي أو التعاليق عليها بأي وسيلة، بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي، وشبكات البث المفتوح، وأدوات الذكاء الاصطناعي، والمنصات الإلكترونية والتطبيقات المعتمدة على الأنترنت أو الأنظمة المعلوماتية.
التحول الأهم في القوانين الجديدة وقع في المجال الرقمي.
فالتعديلات الصادرة في يناير 2026 نقلت التواصل الانتخابي على الأنترنت من منطقة التأويل إلى منطقة النص الصريح.
فقد أصبحت المادة 51 من القانون التنظيمي رقم 27.
11، كما وقع تعديلها، تجرم نشر أو إذاعة أو توزيع الأخبار الزائفة أو الإشاعات بأي وسيلة، بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح وأدوات الذكاء الاصطناعي والمنصات الإلكترونية والتطبيقات المعتمدة على الأنترنت والأنظمة المعلوماتية، متى كان القصد منها التأثير على إرادة الناخبين أو دفعهم إلى الإمساك عن التصويت.
والأكثر أهمية أن المادة 51 المكررة أضافت بعدا جديدا يتمثل في تجريم بث أو توزيع تركيبات من أقوال شخص أو صورته دون موافقته، أو نشر ادعاءات ووقائع كاذبة أو مستندات مختلقة أو مدلس فيها بقصد المس بالحياة الخاصة للناخبين أو المترشحين أو التشهير بهم، كما جرّمت صناعة محتوى كاذب أو مزيف بقصد المساس بنزاهة وصدق العمليات الانتخابية.
بعبارة أوضح: القانون المغربي أدخل اليوم، بشكل مباشر، مكافحة “التضليل الرقمي” و”التزييف الاصطناعي” و”التشهير الإلكتروني” إلى صلب الجرائم الانتخابية.
ومن الناحية العملية، لا يعني ذلك أن الفضاء الرقمي أصبح فضاء منفصلا عن قواعد الحملة التقليدية؛ بل العكس هو الصحيح.
فالاجتهاد القضائي الدستوري أظهر أن صفحات مواقع التواصل الاجتماعي والأشرطة المنشورة عليها يمكن أن تدخل ضمن الرقابة على التواصل الانتخابي.
ففي أحد القرارات، ذكّرت المحكمة الدستورية بأن المادة 118 من القانون 57.
11 تمنع أن تتضمن البرامج المعدة للحملة مواد من شأنها المس بالكرامة الإنسانية أو باحترام الغير أو التحريض على الكراهية، كما تمنع استعمال الرموز الوطنية، واعتبرت أن هذا الحظر لا يهم فقط الفاعلين الانتخابيين المباشرين، بل أيضا المؤسسات والأشخاص الذين يعدّون المواد أو يعلقونها أو يوزعونها.
وفي قرار آخر، تم عرض واقعة نشر شريط فيديو انتخابي على صفحة رسمية مفتوحة للعموم بأحد مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر فيه رمز المملكة وعلمها داخل فضاء رسمي، باعتبارها مثارا لمخالفة المادة 118.
وهذا معناه أن السياسي الذي يعتقد أن ما يُمنع في التلفزيون أو الملصق يمكن تمريره على فيسبوك أو غيره، يقرأ القانون بشكل خاطئ.
أما في ما يخصّ “المذكرات” و”الدوريات” و”الوثائق التنظيمية” التي يجب على أي فاعل سياسي أن يضعها أمامه عند إدارة تواصله الرقمي، ففي حدود النصوص الرسمية المنشورة التي أمكن التثبت منها، لا يظهر اليوم إطار مستقل واحد بعنوان “مذكرة التواصل الرقمي الانتخابي”، بقدر ما يظهر تنظيم موزع على خمسة مراجع أساسية.
أولها القرار رقم 37.
21 للهاكا، لأنه يضبط التعددية والحياد والإنصاف والصمت الانتخابي في السمعي البصري خلال الفترة الانتخابية.
وثانيها القرار رقم 20.
18 للهاكا، لأنه المرجع المنظم للتعبير التعددي في خدمات الاتصال السمعي البصري خارج فترات الانتخابات.
وثالثها المرسوم رقم 2.
11.
610 المتعلق باستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية.
ورابعها مداولة اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي رقم 108-2015 المؤطرة لمعالجة المعطيات الشخصية لأغراض التواصل السياسي.
وخامسها بلاغ اللجنة الوطنية بتاريخ 2 شتنبر 2021، الذي ذكّر بوجوب التصريح بأي معالجة للمعطيات الموجهة للتواصل السياسي، وسجّل توصّل اللجنة بشكاوى تتعلق بإرسال رسائل نصية قصيرة SMS وبمنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي، ودعا إلى التعليق الفوري لأي معالجة غير مصرّح بها.
وهنا تبرز نقطة حاسمة كثيرا ما يستهين بها السياسيون والمرشحون: التواصل الرقمي ليس فقط مسألة مضمون، بل أيضا مسألة معطيات شخصية.
فمداولة اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي تشترط، وفق مبدأ التناسب، ألا تُجمع أو تُعالج إلا المعطيات الضرورية حصرا لغرض التواصل السياسي، وتربط المعالجة في الأصل بموافقة الشخص المعني، مع تنظيم حالات الاستثناء، وتلزم بمنح المتلقي حق الاعتراض الواضح والبسيط عند استعمال وسائل إلكترونية مثل المكالمات الآلية والفاكس والرسائل النصية القصيرة والبريد الإلكتروني أو الوسائل المماثلة.
كما تنص على أن الملف المكوَّن لحملة انتخابية معينة يجب إتلافه بعد انتهاء تلك الاستشارة، وعلى وجوب التصريح لدى اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، بل وعلى إخضاع تحويل المعطيات إلى الخارج لتصريح مسبق.
وعليه، فإن أي حملة رقمية تعتمد قواعد بيانات للهواتف أو الإيميلات أو الاستهداف أو التخزين خارج المغرب دون احترام هذه الشروط، تدخل فورا في منطقة الخطر القانوني.
الخلاصة أن المشرع المغربي لم يعد ينظر إلى التواصل الانتخابي باعتباره مجرد “حملة” بالمعنى الدعائي الضيق، بل باعتباره جزءا من نزاهة العملية الديمقراطية نفسها.
لذلك تشددت النصوص تجاه الأخبار الزائفة، والتشهير، والتزييف، واستعمال الذكاء الاصطناعي، ونشر استطلاعات الرأي، واستغلال الرموز الوطنية، وتوظيف الفضاءات والإمكانات العمومية، كما أخضعت المجال الرقمي لرقابة مضاعفة: رقابة انتخابية على المضمون، ورقابة حمائية على المعطيات الشخصية.
والسياسي الذكي اليوم ليس من يملأ الشاشات والمنصات أكثر، بل من يعرف أين تنتهي حرية الإقناع وتبدأ حدود القانون.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك