ليست المسألة، في جوهرها، تقييم حصيلة حكومة بعينها بقدر ما هي محاولة لفهم مآلات مرحلة سياسية بكاملها.
فاختزال النقاش في منجزات رقمية أو إخفاقات قطاعية يُفقد التحليل عمقه، لأن ما جرى خلال السنوات الأخيرة يتجاوز منطق الحصيلة الحكومية إلى سؤال أكثر تركيباً: ماذا تبقى من السياسة نفسها كفعل عمومي مؤطر بالقيم، وكمجال للصراع الديمقراطي حول الاختيارات؟لقد أفرزت هذه المرحلة ملامح أزمة متعددة الأبعاد، أولها أزمة التمثيلية داخل المؤسسة التشريعية.
فالبرلمان، الذي يفترض أن يكون فضاءً للنقاش العمومي والتداول بين المشاريع المجتمعية، تحول في كثير من اللحظات إلى بنية شكلية يغيب عنها النفس السياسي.
الحضور العددي للأغلبية لم يُترجم إلى قوة اقتراحية أو حيوية نقاشية، بينما استطاعت معارضة محدودة العدد أن تملأ جزءا من هذا الفراغ، وهو ما يكشف خللا بنيويا في أداء الوساطة الحزبية.
لم يعد الانتماء الحزبي يعكس بالضرورة التزاما سياسيا أو تصورا إيديولوجيا، بل صار في حالات كثيرة مجرد موقع داخل توازنات انتخابية.
إلى جانب ذلك، برزت خلال هذه المرحلة إشكالية أخلاقية عميقة تتعلق بتداخل المصالح وتآكل الحدود بين المجالين العام والخاص.
فحين يصبح الجمع بين السلطة الاقتصادية والمسؤولية السياسية أمراً عادياً أو مبرراً، فإن ذلك يطرح سؤالاً حقيقياً حول تكافؤ الفرص ونزاهة القرار العمومي.
الأخطر من ذلك ليس فقط وجود شبهات تضارب المصالح، بل طريقة التعامل معها، حيث يتم اللجوء إلى خطاب التشكيك في المنتقدين بدل تقديم إجابات مؤسساتية وقانونية، وهو ما يعمق الإحساس بانفلات المعايير.
في السياق نفسه، عرف الحقل الإعلامي تحولات مقلقة، حيث تراجعت أدوار الصحافة كقوة رقابية مستقلة، لصالح منطق الدعاية وإعادة إنتاج الخطاب الرسمي.
هذا التحول أضعف إحدى أهم آليات التوازن داخل النظام الديمقراطي، لأن الإعلام الحر لا يكتفي بنقل الخبر، بل يساهم في مساءلة السلطة وتشكيل رأي عام واع.
وعندما يفقد هذا الدور، يصبح النقاش العمومي فقيرا وموجها، ما ينعكس مباشرة على جودة الحياة السياسية.
غير أن الأثر الأعمق لهذه المرحلة يتجلى في التحول الذي أصاب تمثلات المواطنين تجاه السياسة.
فقد تزايد الشعور بعدم الجدوى، وتراجعت الثقة في الفاعلين الحزبيين والمؤسسات المنتخبة، مقابل تنامي نوع من الحنين إلى الفاعل الإداري أو التقنوقراطي باعتباره أكثر “فعالية”.
هذا التحول لا يعكس فقط خيبة أمل ظرفية، بل يشير إلى خطر حقيقي يتمثل في تآكل الإيمان بالديمقراطية التمثيلية كخيار استراتيجي.
فعندما يُنظر إلى السياسة باعتبارها عبئا لا أداة للتغيير، فإن ذلك يفتح الباب أمام عزوف انتخابي متزايد، وربما أمام إعادة ترتيب غير معلنة لأولويات الفعل العمومي.
إن قراءة هذه المرحلة تكشف أننا لسنا أمام أزمة أداء فقط، بل أمام أزمة معنى.
فقدت السياسة جزءاً من رمزيتها ومن قدرتها على التعبئة، وتراجعت الأحزاب عن أدوارها التأطيرية لصالح وظائف انتخابية ضيقة.
لذلك، فإن تجاوز هذا الوضع لا يمكن أن يتم عبر تغيير الوجوه أو تعديل التحالفات، بل يقتضي إعادة بناء الثقة في الفعل السياسي ذاته، من خلال إحياء النقاش العمومي، وترسيخ أخلاقيات المسؤولية، وتعزيز استقلالية المؤسسات الوسيطة.
في النهاية، تبدو هذه المرحلة كاختبار حقيقي لصلابة الاختيار الديمقراطي في المغرب.
فهي تكشف حدوده، لكنها في الآن ذاته تضع أمام الفاعلين السياسيين والمجتمعيين مسؤولية إعادة الاعتبار للسياسة كفضاء للمعنى، لا مجرد آلية للتدبير.
لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي تجربة ديمقراطية ليس فشل حكومة، بل فقدان المجتمع لإيمانه بجدوى السياسة نفسها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك