العربية نت - عملة بيتكوين تهبط لأدنى مستوى في أكثر من 3 أشهر العربي الجديد - الاحتلال يواصل عدوانه رغم إعلان واشنطن اتفاقاً لوقف النار قناه الحدث - توافق لبناني إسرائيلي على إنشاء "مناطق تجريبية" التلفزيون العربي - اتفاق مشروط لوقف إطلاق النار بلبنان.. طهران تنفي إحراز تقدم بالمفاوضات العربي الجديد - الاحتلال يواصل القصف رغم إعلان واشنطن اتفاقاً لوقف النار سكاي نيوز عربية - جلسة مخصصة لإيران تتحول لسجال بشأن "أحذية روبيو" التلفزيون العربي - اتفاق مشروط لوقف إطلاق النار بلبنان.. طهران تنفي إحراز تقدم بالمفاوضات العربي الجديد - الاحتلال يواصل القصف رغم إعلان واشنطن عن اتفاق لوقف النار روسيا اليوم - قيرغيزستان تنضم لأول مرة إلى عضوية مجلس الأمن الدولي وكالة شينخوا الصينية - البنك المركزي الصيني يضخ 50 مليون يوان من خلال عمليات سندات الخزانة خلال مايو
عامة

«لن يتكرر أبداً»: هل يمكن أن تؤسس المأساة ذواتنا؟

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 شهر
1

يمكن اعتبار عبارة «Nie wieder» الألمانية (لن يتكرر أبداً) تأسيسية في الذات الألمانية المعاصرة، ولها تطبيقاتها الدستورية والقانونية والسياسية والتعليمية، لدرجة أنها تطبع الهوية المعاصرة لذلك البلد الأو...

ملخص مرصد
تسلط المقالة الضوء على مبدأ «لن يتكرر أبداً» الألماني، الذي يشكل حجر أساس للهوية الوطنية الألمانية، إذ يهدف لمنع تكرار مآسي الهولوكست والنازية عبر التربية والتشريعات. يربط المبدأ بين الماضي والحاضر، معتبراً الهولوكست حدثاً مستمراً يؤثر في الحساسيات الجماعية والفهم الذاتي. كما يناقش النقد الموجه لهذا المبدأ، خاصة في المنطقة العربية، لارتباطه بسياسات إسرائيل، رغم عدم ارتباطه حصرياً بها.
  • مبدأ «لن يتكرر أبداً» ألماني يهدف لمنع تكرار الهولوكست عبر التربية والتشريعات
  • الهولوكست يُعتبر حدثاً مستمراً يؤثر في الهوية الجماعية والفهم الذاتي للألمان
  • المبدأ يثير جدلاً في المنطقة العربية لارتباطه بسياسات إسرائيل، رغم عدم حصره بها
من: الألمان أين: ألمانيا والمنطقة العربية

يمكن اعتبار عبارة «Nie wieder» الألمانية (لن يتكرر أبداً) تأسيسية في الذات الألمانية المعاصرة، ولها تطبيقاتها الدستورية والقانونية والسياسية والتعليمية، لدرجة أنها تطبع الهوية المعاصرة لذلك البلد الأوروبي المركزي، ومعناها الأبسط أن الهولوكست، وغيره من المآسي النازية، والعنصرية والتعصّب القومي، والنزعة الإبادية، والحروب العدوانية، التي أدت لملايين وملايين القتلى، من الألمان وضحاياهم، يجب أن لا تتكرر بأي شكل من الأشكال، ضمن التزام اجتماعي شامل، يشمل القوى السياسية، والمؤسسات، وحتى الأفراد.

يُربّى الأطفال في المدارس العمومية على مبادئ مثل «أنت لست مسؤولاً عن الهولوكست، ولكنك مسؤول عن عدم تكراره»، وهذا يعني أن ذلك الحدث المأساوي لم يقع مرة في التاريخ وانتهى، ولا يخصّ جيلاً مضى، بل هو حدث مستمر، لا يمكن تخطيه، أو نسيانه، فاعل بالحاضر ومؤسس له، ومنتج لحساسيات الناس، وفهمهم لذواتهم وأدوارهم، وضابط لتوجهاتهم.

الحدث يحضر بالسلب لا بالإيجاب، فكل ما وقع فيه مرفوض ومنكر، ولكنه لذلك بالضبط بات معياراً، فهو قادر على تقديم نماذج واضحة وتوجيهية عمّا يجب أن لا يحدث، كما أنه قابل لنقض كل دعوة أو توجّه أو خطاب، يبدي ميلاً لتكرار بعض من عناصره، لدرجة أنه بات مبدأ نقدياً.

وهذا يعني أن الهولوكست لا يجب أن يختفي أو يُحطم، بل أن يظل قائماً دوماً، ولكن كصورة سلبية، وكأنه ظل، أو أثر لا يُمحى.

لا نهاية للهولوكوست بوصفه مشكلة فكرية وأخلاقية.

يستلزم هذا أيضاً كثيراً من المعارف، على المستوى التاريخي والاجتماعي والفلسفي، فالموضوع ليس حكاية بسيطة، لها مقدمة وخاتمة، تسرد وتفسّر ضمن سياقات اعتيادية، بل حدث استثنائي، وإذا لم يُفهم بهذه الطريقة فيمكن القول إن من المنطقي تكراره عند بروز سياقات مشابهة.

استثنائية الحدث تدفع لأبعد من التفكير الظرفي، الذي يهتم بتسلسل الأحداث وحدها، بل يتعلّق بفهم بنى التاريخ نفسه التي قادت لهذه النتيجة، فهي ليست ردة فعل على فعل سابق، بل بناء متكامل قائم في المؤسسات الاجتماعية والأيديولوجيات والعلوم، وهو ما حدد شكل الفعل والاستجابة الكارثية تلك، دون سواها.

ما الخطأ في العقل، والتحديث، والقومية التي أدت للهولوكست؟ هذا مبدأ لدراسات عديدة، وإيصال فحواها إلى العامة من أساسيات مبدأ «لن يتكرر أبداً».

يمكن القول إن هذا المبدأ لا يلقى كثيراً من الاستقبال الإيجابي في المنطقة الناطقة بالعربية، لأسباب سياسية غالباً، إذ يُعتبر أحياناً ميلاً مبالغاً به لدى الدولة الألمانية، يدفعها إلى مواقف إشكالية، مثل الدعم غير المحدود لجرائم إسرائيل، بل إن عقدة الذنب هذه أدت لنتائج عكسية، إذ أدت لتبرير سياسات تحمل سمات إبادية، كان الأجدى التصدي لها، لكي لا تتكرر المآسي حقاً، ما يعدّ إسقاطاً لعقد أوروبية محليّة على منطقتنا.

من ناحية أخرى فإن بناء أمة كاملة على التعلّق بحدث استثنائي في الماضي، يؤدي لتناقضات كثيرة في الذات، منها الخنوع، والسلوك الاعتذاري، والقابلية للابتزاز، وكراهية النفس، التي قد تعكس نرجسية كبيرة، فعندما تعتبر نفسك استثنائياً في شرِّك، فهذا يحوي تضخيماً هائلاً للذات، وإيماناً باستثنائيتها، وقد لا يكون الأمر، كالعادة، أكثر من نرجسية ألمانية، ولكن معكوسة.

إلا أن هذا النقد يبدو قاصراً عن فهم الإشكالية والسؤال في مبدأ «لن يتكرر أبداً»، وإن كان ينجح في نقد بعض نتائجه السياسية.

المبدأ أساساً لا يتعلق باليهود وحدهم، أو دولة إسرائيل، ولا حتى بسلوك «جيد» يجب أن تنتهجه الدولة الألمانية في سياساتها الداخلية والخارجية، بل بأمرين آخرين: مَن نحن؟ وكيف نستوعب كل ما حدث؟ بالنسبة للسؤال الأول فلدينا واحدة من أعتى القوميات في العالم، بل المبدأ الأساسي للقوميّة الأحادية في العالم، المتعلّق بدولة مركزية توحيديّة، شديدة البيروقراطية والنزعة العسكرية، سلكت «طريقها الخاص»، المتميّز فعلاً عن غيرها، وعلّمت العالم كثيراً من الأساليب التنظيمية الفعّالة، وكانت فلسفاتها وآدابها مؤثّرة في الوعي الحديث كله، ومن نموذج المدرسة والمصنع والجيش البروسي، وحتى فلسفات هيغل وشيلنغ وفيتشه، بل أثّرت بشكل تكويني في قوميات أخرى، مثل القومية التركية والعربية والفارسية، والنتيجة مجازر إبادة، وحرب عالمية، وخراب هائل، هو الأكبر في التاريخ؛ من جهة أخرى، فهنالك دائرة لا تنكسر: هزيمة أمام الجيوش النابليونية، ثم نهوض قومي ضد العدو، ومحاولة تجاوز التخلّف على كل الأصعدة، من التصنيع وحتى الدخول في مجال الاستعمار، ثم انتصار، ثم هزيمة في الحرب العالمية الأولى، ثم نهوض قومي، ثم اجتياح لدول أوروبية، ثم هزيمة مؤلمة، ومدن تمت تسويتها في الأرض، في أبشع عمليات القصف الجوي في التاريخ (مثل ما حدث في مدينة دريسدن)، واغتصاب عشرات آلاف النساء على يد الجيوش التي اجتاحت برلين، وجيل كامل من الرجال دمرته الحرب.

ماذا بعد؟ هل سندخل في دائرة جديدة من الشعور بالإذلال، ثم النهوض القومي، ثم الحرب، ثم الانتصار، ثم الهزيمة؟ ألن تنكسر هذه الدائرة الجهنمية يوماً؟السيرة الألمانية هذه، و»الطريق الخاص»، بين هزيمة ونهضة وقومية عدوانية، ثم هزيمة جديدة، ليست غريبة عنّا، وألمانيا ليست بعيدة أبداً.

قد تكون السياسات الألمانية مبالغاً فيها في بعض القضايا، مثل دعم إسرائيل (قيل الأمر نفسه عن الاستقبال المفاجئ للاجئين السوريين، الذي ربطه اليمين الألماني أيضاً بعقدة الذنب، و»ألمانيا التي تلغي ذاتها دوماً»)، ولكن اختزال المسألة في هذه المظاهر، لا يلحظ أنه إسقاط مضاد، من منطقتنا على ألمانيا، يحمّلها أوزار صراعاتنا، وعقد تاريخنا، و»طريقنا الخاص» الذي لم نستطع حتى الآن كسر دوائره الجهنمية، خاصة إذا تذكرنا أن الدور الألماني ليس مركزياً للغاية في الصراع العربي الإسرائيلي، بل يأتي بعد دول أخرى كثيرة، مثل أمريكا وفرنسا وروسيا وبريطانيا؛ فضلاً عن أنها باتت الممول الأول لوكالة «غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين»، بعد قطع أمريكا لتمويلها عن الوكالة.

الأجدى، التفكير بدوائرنا التي لا تنكسر، وكما كانت القومية الألمانية عاملاً مؤسِّساً في القومية التركية، ومن ثم العربية، فربما يجب التفكير أيضاً بمبدأ «لن يتكرر أبداً»، بوصفه مبدأً مجرّداً، قد يساعدنا على التعاطي مع أسئلة الهوية، والعيش المشترك، وفهم الذات، واستيعاب المآسي التي لم تنقطع في المنطقة طيلة العقود الماضية.

لقد انهارت دول ومجتمعات، وشهدنا مجازر إبادة محليّة ومجاعات وحروباً هائلة.

إعادة التأسيس، أو بالأصح التوجّه المعياري لبناء الذات، قد يكون بالتفكير بـ»نهضة» في إطار «تجاوز الهزيمة»، ما يتطلّب شكلاً من بناء نموذج «الأمة في معركة» الألماني؛ أو قد يكون بالبحث عن طرق أخرى.

فهل يساعدنا مبدأ «لن يتكرر أبداً»؟قد تثير المقارنة بين القومية الألمانية قبل الحرب العالمية الثانية، والقومية العربية، اعتراضاً لجهة الفرق البنيوي بين ألمانيا والمنطقة الناطقة بالعربية، نتحدّث عن أمّة صناعية، بل فائقة التصنيع، واستعمارية، وغربية، فيما القومية العربية نشأت في ظرف قد يبدو معاكساً، إذ تصاعدت في منطقة عانت طويلاً من الاستعمار والتدخّل الغربي، ووجدت في الألمان أحياناً نصيراً في مواجهة القوى الاستعمارية، ما قد يفسّر «الجرمانوفيليا» (الميل والانجذاب الشديد لكل ما هو ألماني، خاصة التنظيمات البروسية التحديثية والتوحيدية الصارمة) التي أبداها عدد من النهضويين والقوميين العرب.

إلا أن الموضوع أكثر من مجرّد «فيليا»، سبّبها التعرّض لاستعمار أمم منافسة للألمان، فالأرض المنتمية للنطاق الألماني (وهي كانت أوسع من ألمانيا المعاصرة) عدّت نفسها في ما مضى، وقبل تحديثها الشامل والصادم، محافظة، ورومانسية، وريفيّة؛ وصورة الألماني في المخيّلة الأوروبية كانت الفلّاح المتزمّت والرجعي، وليس المهندس الذي يصنع الماكينات.

«صدمة الهزيمة» أمام الفرنسيين (وقد حدثت في تاريخ قريب للحملة الفرنسية على مصر) غيّرت الكثير، إذ امتزجت الرمسنة (إضفاء الصفات الرومانسية) مع التحديث شديد التنظيم والبيروقراطية، مع الصراعات الاجتماعية الطاحنة، مع الفلسفة المثالية التي اهتمت بالروح في التاريخ، في ما يشبه رواية لاهوتية معلمنة عن الخلاص القومي عبر الدولة، بوصفها التجسيد الأعلى للعقل، المتعالي عن صراعات «المجتمع المدني» وانقساماته المصلحيّة، أو بالأصح تركيبها الجدلى الأعلى.

وهذه العناصر، أي الرمسنة، والتحديث الفوقي، وخلاص الأمة عبر الدول المُوحِّدة، بما يرتبط به من شعور بالتفوّق على بقية الأمم الفاسدة، أي «الرسالة الخالدة» أو «أستاذية العالم»، كانت بالفعل مصدراً أساسياً للقومية العربية، كما الإسلام السياسي.

لم يكن في منطقتنا كثير من المعامل، والابتكارات التقنية، والإبداع الأدبي والفلسفي، والدول ذات الأنظمة والمؤسسات المتينة، ولكن نقطة البداية، التي أعطت التوجّه والطموح، كانت متشابهة.

فكان استيراد ذلك النموذج، بما فيه من طموح لتجاوز الضعف، والهزيمة، والتجزئة، والتخلّف، وبناء الذات المتفوّقة، واستئصال أعدائها، والنزعة الإمبراطورية، ملهماً لكثير من المفكرين والحركات السياسية.

بالطبع كانت لدينا تيارات ومؤثّرات أخرى، وإمكانيات أوسع، ولكن ذلك أيضاً ينطبق على ألمانيا، بلد غوته وماركس، إلا أن تيار «الأمة في معركة» انتصر في النهاية في الحالتين.

فشلنا في تحقيق «نهضة بروسية»، لأسباب بنيوية عديدة، يمكن تفسيرها بنمط الإنتاج، وعلاقاته، والضغط الاستعماري، والموقع الجغرافي، والدين، وغيرها الكثير، ولكن يجب أن لا ننسى أن زعماء مثل صدّام حسين، كانوا يرون بلدانهم «بروسيا العرب»، وهم يَعدّون صواريخهم، مزهوين بجيوشهم المنظّمة، وكذلك وهم يحاولون تحقيق «حلول نهائية»، تشبه إبادة اليهود، وكانت في حالة صدّام حملة الأنفال في كردستان العراق.

أيضاً يجب التركيز على أن التأثير لم يكن باتجاه واحد، فكما تعلّم الترك والعرب والفرس من الألمان، فقد استلهم الألمان أحياناً من تجاربنا، وربما كان النقاش التاريخي حول تأثّر القوميين الألمان بمجازر الأرمن، ومن ثم ممارسات أتاتورك، وأشياء أخرى لا يتسع المجال لذكرها، مهماً للغاية في هذا السياق.

اليوم لم يبق لدينا كثير من التعويل على الدول التي ستنهض بالأمة في معركتها، وإنما على الاستمرار في المعركة مهما بلغت «الأثمان»، وباتت الرواية الخلاصية عن التاريخ «دماً ينتصر على السيف»، وكثيراً من الشهداء، في معركة لا تهتم بمعايير نصر وهزيمة تقليدية، بل بالدلالة ضمن صراع الحق والباطل، مع إعجاب لا ينقطع بالصواريخ التي تُنتج في أصعب الظروف، لتعبر التاريخ إن صح التعبير، وتتجاوز الفارق التقني، الذي يجب أن لا يعني التفوّق الحضاري؛ وأيضاً بالطبع مكافحة أعداء الداخل، ممن يشكّلون عائقاً للأمة في معركتها، أو ورماً سرطانياً فيها، ولا يستطيعون أن يفهموا «روح الشعب» الذي يقدّس الاستشهاد.

هذا التجريد القومي الرومانسي عن «الشعب» بوصفه كياناً واحداً، بثقافة واحدة مٌلزمة للجميع، ويجب أن تفرض «أثمانها» على كل الفئات الأخرى المتعددة، يقدّم بوصفه قمة التقدميّة اليسارية المعادية للكولونيالية.

حتى في العصر الميليشياوي، يبدو أننا ما نزال نفكّر نوعاً ما بالألمانية، بالأصح بألمانية رديئة، لا تعي نفسها، ولا تعرف شيئاً عن قواعدها النحوية، فتصبح مسخاً عن الروح/العقل، الذي كان يجب أن ينهض بالأمة.

يبدأ نشيد جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة بجملة «نهض من بين الأنقاض»، ليصل إلى «دع شمس السلام تشرق، لكي لا تبكي أمٌ ابنها مجدداً».

تلك الجمهورية لم تكن ديمقراطية بالمعنى الليبرالي بالطبع، وما زالت قمعيتها مضرباً للمثل، ولكنها كانت معادية بالفعل للإرث النازي، ومهتمة بشعار «لن يتكرر أبداً»، وأيضاً داعمة لمنظمة التحرير الفلسطينية، ما يدل على أن «العقدة التاريخية» لن تؤدي سياسياً بالضرورة إلى دعم غير مشروط للسياسات الإسرائيلية.

ربط مبدأ «لن يتكرر أبداً» بمشروع السلام، وهو في ألمانيا مؤصّل فلسفياً بمتانة منذ عصر التنوير وفلسفة إيمانويل كانط على الأقل، كان ملهماً لكثير من الحركات التقدّمية في ذلك البلد، الذي لا يمكن وصفه أبداً باستقرار مفهومه عن الذات، بل كونه ميدانا لصراعات عاصفة لم تنقطع حتى يومنا هذا، فبينما تتورط حكومته بالحرب الأوكرانية أكثر فأكثر، وتعمل على مزيد من التسلّح، بل إعادة التجنيد الإلزامي، تطالب حركات السلام بنزع التسلّح، معتمدة على إرث ديمقراطي اجتماعي طويل (وغير مستقر في الوقت نفسه، إذ تورط الديمقراطيون الاجتماعيون بدعم الحرب والنزعة القومية في لحظات حاسمة كالحرب العالمية الأولى)، وتحذّر من عودة النزعة العسكرية العدوانية الألمانية، بل إن بعض الجماعات الراديكالية عارضت إسقاط جدار برلين، خوفاً من عودة ألمانيا المرعبة.

ربما لم نتأثر بهذا كما ينبغي في منطقتنا، بل ربما لا توجد فكرة عنه أساساً، بسبب سياسات الترجمة، التي تتأثر بتوجّه المؤسسات الثقافية، وميول المترجمين الأيديولوجية.

يمكن طرح سؤال جدّي عن سبب هذا، أي لماذا لم تحتج أمتنا لأدبيات تحوي مشروعاً عميقاً للسلام، ونقداً عميقاً للقومية، والنزعة الاستئصالية؟ في كل الأحوال، وبغض النظر عن الإجابة، قد يحتاج استيعاب المأساة التي نعيشها، وإيجاد مفهوم عن الذات الجماعية، وسط كل الانقسامات والصراعات الدموية، ودعوات الإبادة والتطهير العرقي، إلى حساسية عالية تجاه الدائرة المفرغة التي نعيشها، ورغبة حقيقة في كسرها، كي لا تتكرر المآسي، ونرى مزيداً من صور الأم التي تبكي ابنها.

لقد جرّبنا تبيئة القومية الألمانية، وربما آن الآوان لتبيئة مبدأ «لن يتكرر أبدا»، بأبعاده التنويرية والتحررية والاجتماعية، ليس فقط بوصفه شعاراً سياسياً، بل أبعد من هذا بكثير، أي باعتباره مؤسّساً للذات، ومعنىً للوطنيّة، وبناءً لهوية جديدة تنتج مشتركات حقيقية، بدلاً من افتراض الوطن الواحد، والشعب الواحد، وكأنهما معطيان طبيعيان، موجودان بشكل سابق عن إنتاج المشترك، وأي صيغة تعاقدية جماعية بين الفئات والشعوب المختلفة في بلداننا؛ أيضاً بوصف ذلك المبدأ مناهضاً للأمة الأحادية في معركتها التي لا تنتهي.

قد يكون هذا المشروع مناسباً للدول والمجتمعات التي عانت كثيراً من الصراعات الدموية، والحروب الأهلية، في سبيل «الأمة في معركة».

طبعاً دون نسيان ما يطرحه مبدأ «لن يتكرر أبداً» من إشكالات، وأسئلة، وصعوبات، وعلى رأسها: هل يمكننا أن نؤسس ذواتنا على ما يجب أن لا نكونه؟ وهل طاقة السلب والنقد والتجاوز هذه، عبر استحضار دائم للمآسي، قادرة على إقناع البشر والمجموعات المختلفة، لدرجة أن تصبح «أسطورة مؤسِّسة»؟ وما العمل الفكري والسياسي والتنظيمي الذي يتطلبه كل هذا؟ أما من يريد مواصلة المعركة، بمنظور تاريخاني كربلائي، أو بإحياء منطق الغزو والغنيمة، فيمكنه أن يواصلها دائماً وهو مطمئن، فالتاريخ، على ما يبدو، لا يمل من إعادة الدرس، حتى لو لم يبقَ متعلمون.

لكن بشرط أن لا يسعى أثناء ذلك لاستئصالنا، كي يفرض علينا روح الشعب الواحد، وقيمه الفائقة؛ أو بالأصح بشرط امتلاكنا القدرة على حماية الذات منه، ومن نتائج معاركه التي لا تنتهي، وانتصاراته الإلهية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك