كتبت الولايات المتحدة الأمريكية (بوصفها سلطة احتلال بعد أيار 2003، وقوة متعددة الجنسية تعمل في العراق بطلب رسمي من الحكومة العراقية بداية من تموز 2004) قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت عام 2004، وكانت حاضرة بقوة في كتابة الدستور العراقي عام 2005، لكن هذا لم يمنع من إنتاج نظام سياسي هجين في العراق، تحكمه الصفقات لا النصوص، وتحكمه أيضا علاقات القوة عند العجز عن الوصول إلى صفقة!هذا النظام الهجين لم يكن نتاجا لحداثة التجربة فقط، بل كان خيارا مثاليا للطبقة السياسية التي تسيدت المشهد بعد 2003، بدليل أنها لم تتكرس مع الوقت فقط، بل زيادة جرعتها بشكل منهجي.
لهذا لم يستطع العراق أن ينتج سلطات حقيقية تعي صلاحياتها واختصاصاتها وحدودها، أو مؤسسات دولة حقيقية، أو نموذج إدارة فاعل، أو حوكمة رشيدة!ففي حين تقرر المادة الأولى من الدستور أن العراق”دولة اتحادية … نظام الحكم فيه جمهورية نيابي (برلماني)”، وهو ما يعني أن مجلس النواب له العلوية في النظام السياسي، كونه يقوم بمنح الثقة للحكومة، ويراقبها، ويستطيع سحب الثقة عنها.
نجد مثلا رئيس مجلس الوزراء الأسبق نوري المالكي يستصدر، أثناء عهدته، قرارا من المحكمة الاتحادية العليا يسحب من مجلس النواب سلطة التشريع دون موافقة الحكومة، وقرارا يعطل فيه قدرة مجلس النواب على استجواب رئيس مجلس الوزراء أو الوزراء، وقرارا يلغي استقلالية الهيئات المستقلة ويحولها إلى مؤسسات تابعة للحكومة، دون أن يتمكن النظام السياسي من وقف هذه الانتهاكات الفاضحة للدستور، أو يتمكن من ضمان استقلالية المحكمة الاتحادية العليا وعدم تحولها إلى شركة ديليفري تصدر قراراتها تبعا لأوردر الفاعل السياسي الأقوى!والوضع نفسه بالنسبة لمجلس النواب، الذي انتهك، على مدى السنوات الماضية، أحكام الدستور، وأحكام القوانين النافذة، وأحكام نظامه الداخلي، وتمر هذه الانتهاكات دون أن يعترض عليها أو يوقفها أحد!والأمثلة على هذا العبث كثيرة؛ منها مثلا أن رئيس مجلس النواب أصدر يوم 22 نيسان 2026 “قرارا نيابيا” جاء فيه أن مجلس النواب قرر إلزام الحكومة الاتحادية ووزارة المالية بتسديد مستحقات الفلاحين لمحصول الحنطة للموسم الزراعي 2024/ 2025، وإلغاء تطبيق قرار المجلس الوزاري للاقتصاد بما يتعلق بأسعار الحنطة للموسم الزراعي الحالي، وأخيرا تعليق مطالبة الفلاحين بالقروض لحين إقرار الموازنة وتسليم كافة مستحقاتهم المالية.
وبعيدا عن هذا التدخل في صلاحيات تنفيذية خالصة لأغراض شعبوية، فقد اعتدنا على ظاهرة إصدار مجالس النواب المتتالية لقرارات نيابية، تنتهك أحكاما باتة وملزمة للسلطات كافة أصدرتها المحكمة الاتحادية العليا، بينها القرار رقم (140 وموحداتها 141/ اتحادية 2016) بأن الدستور في المادة 51/ أولا، قد نص على اختصاصات مجلس النواب بتشريع القوانين الاتحادية ولم ينص على تخويله إصدار القرارات التشريعية، ومن ثم “فإن مجلس النواب ليست له صلاحية إصدار قرارات تشريعية وإنما له صلاحية إصدار القوانين فقط”!من جهة أخرى، لم يستخدم رئيس الجمهورية، على مدى عقدين، صلاحياته فيما يتعلق بضمان الالتزام بالدستور وعدم انتهاكه، بل قام هو بانتهاكه! ففي العام 2019، وفي سياق الصراع بين رئيس المحكمة الاتحادية العليا، ورئيس مجلس القضاء الأعلى، انحاز الرئيس حينها إلى جانب رئيس مجلس القضاء الأعلى، وقدم مشروع قانون لتعديل قانون المحكمة الاتحادية العليا، تضمن مادة تشير إلى أن يتولى مجلس القضاء الأعلى ترشيح قضاة المحكمة الاتحادية، في انتهاك صارخ لقرار بات وملزم للسلطات كافة أصدرته المحكمة الاتحادية بالرقم (38/ اتحادية/ 2019) في 21 أيار 2019، قضى بعدم اختصاص مجلس القضاء الأعلى بترشيح قضاة المحكمة الاتحادية، وقررت إلغاء المادة الثالثة من قانون مجلس القضاء الأعلى الذي يتيح ذلك لأنه ينتهك أحكام الدستور.
وتواطأ مجلس النواب ومجلس القضاء الأعلى أيضا مع هذا الانتهاك!لم يستطع العراق أن ينتج سلطات حقيقية تعي صلاحياتها واختصاصاتها وحدودها، أو مؤسسات دولة حقيقية، أو نموذج إدارة فاعل، أو حوكمة رشيدة!أما رئيس مجلس الوزراء الذي لم يمنحه الدستور أي صلاحية منفردة خارج إطار مجلس الوزراء، فقد ابتدع شيئا سماه“الأمر الديواني” الذي يقرر فيه “منفردا” ما يريد دون أن يضطر للمرور بمجلس النواب من الأصل! ويعمد من خلاله إلى تعطيل المواد الدستورية التي توجب على الحكومة أن تعرض مرشحي وظائف الدولة العليا على مجلس النواب للمصادقة عليهم، لهذا أصبح العراق عمليا، وعلى مدى أكثر من عقد ونصف حتى اللحظة، يُدار بالوكالة، أي أنه يتم تعيين أشخاص بالوكالة في هذه المواقع لسنوات طويلة دون المصادقة عليهم! وينتهك أحكام القوانين النافذة كما يشاء، على سبيل المثال يقرر قانون الإدارة المالية رقم 6 لسنة 2019 أن على الحكومة أن تقدم مشروع قانون الموازنة، وهو القانون الأهم في الدولة، إلى مجلس النواب “قبل شهر تشرين الأول من كل سنة”، الأمر الذي لم تلتزم به أي حكومة عراقية حتى اليوم! ويقررهذا القانون أيضا أنه لا يجوز أن يزيد العجز في الموازنة التخطيطية على (3%) من الناتج المجلي الإجمالي، وهو ما لم تلتزم به أي موازنة حتى اللحظة أيضا! ويقرر أنه لا يجوز أن تتجاوز الحكومة التخصيصات الواردة في قانون الموازنة العامة “على أي وجه من أوجه الصرف ولأي سبب من الأسباب”، ولكننا وجدنا الحكومات المتتالية لا تلتزم مطلقا بذلك، بل إن الحكومة الحالية قامت بإصدار قرار بالرقم 294 لسنة 2025 يمنح وزارة المالية صلاحية سحب مبلغ يزيد عن 3.
075 ترليون دينارعراقي (أي ما يزيد عن 2.
329 مليار دولار أمريكي) من الأمانات الضريبية في حسابات البنك المركزي العراقي لاستخدامها لتغطية احتياجات الدولة.
أي أن الحكومة العراقية عمليا أضافت مبلغ 2.
329 مليار دولار إلى إجمالي الموازنة العامة في انتهاك للقانون، ومع هذا مر هذا الأمر ولم يعترض أحد عليه!في سياق الانتهاكات هذا، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا قرارات لا تخالف أحكام الدستور وحسب، بل تدلس عليها، وتتحول إلى جهة تشريع، ولا تلتزم بصلاحياتها المقررة دستوريا، بل تعطي لنفسها صلاحيات لم ترد في الدستور من الأصل، في سياق التخادم السياسي، أو في سياق الانحياز إلى طرف ضد طرف آخر، أو في سياق الاحتكام إلى علاقات القوة التي تحكم إدارة الدولة في العراق!وطبيعي في العراق أيضا أن يصدر مجلس القضاء الأعلى قرارات “يعطل” فيها قرارات باتة وملزمة للسلطات كافة أصدرتها المحكمة الاتحادية العليا، ويصدر قرارات أخرى ينقض فيها قرارات أخرى أصدرتها المحكمة الاتحادية، ومع هذا يتم إنفاذ هذه القرارات بتواطؤ جماعي، ولا يجرؤ أحد على الاعتراض! كون رئيس مجلس القضاء الأعلى يتمتع بسلطة مطلقة لا تتيح لأي سلطة في الدولة العراقية مساءلته أو محاسبته أو إقالته!لا يمكن للأنظمة السياسية الهجينة أن تصلح نفسها بنفسها، حتى على المدى الطويل، لأن هذه السياسة الهجينة تترتب عليها صلاحيات منتزعة بفعل علاقات القوة، ومصالح ومساحات نفوذ لن يقبل أحد بالتخلي عنها طواعية.
ومن ثم لا يمكن إصلاحها إلا عبر إعادة هيكة جذرية للنظام بأكمله!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك