في عالم تتقاطع فيه الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد بشكل غير مسبوق، لم يعد صعود الدولار مجرد نتيجة طبيعية لقوة اقتصاد الولايات المتحدة، بل تحوّل، على ما يبدو، إلى ظاهرة مرتبطة بإدارة الأزمات الدولية وتوظيفها.
فمع كل موجة توتر أو حرب، يعود الدولار ليتصدّر المشهد، ليس لكونه عملة احتياط فقط، بل بصفته أداة تعكس قدرة واشنطن على إعادة تشكيل قواعد اللعبة المالية العالمية.
ويتكشف هذا الاتجاه بوضوح من خلال أحدث البيانات الصادرة عن" سويفت" (SWIFT) والتي نشرتها" بلومبيرغ"، الخميس، إذ ارتفعت حصة الدولار من المعاملات التجارية العالمية إلى 51.
1% في مارس/ آذار الماضي، وهو أعلى مستوى منذ تعديل منهجية القياس في 2023.
وهذه القفزة جاءت في لحظة اشتداد الحرب والتوترات في الشرق الأوسط، حيث شهدت الأسواق موجة هروب من الأصول عالية المخاطر، مقابل اندفاع واسع نحو الدولار والسندات الأميركية، في تأكيد جديد على أن العملة الأميركية لا تزال الملاذ الأول في أوقات الأزمات.
ويكتسي هذا التطور أهمية إضافية إذا ما قورن بما حدث قبل أشهر قليلة فقط، حين كان الدولار تحت ضغط واضح، بعدما تراجع بنحو 8% خلال عام 2025، حسب أرقام" سويفت"، إلى أدنى مستوياته في أربع سنوات.
يومها، تصاعدت التوقعات بإمكانية تآكل تدريجي في هيمنة العملة الأميركية، خصوصاً مع تنامي الحديث عن بدائل دولية.
لكن اندلاع الحرب قلب المعادلة بسرعة، ليؤكد أن العوامل الجيوسياسية لا تزال قادرة على ترجيح كفة الدولار، حتى في مواجهة التحديات الاقتصادية.
هيمنة الدولار لا تقوم على عنصر واحد، بل على منظومة متكاملة تشمل الاقتصاد والسياسة والأمن والتكنولوجيا الماليةوالملاحظ أنه منذ عودة دونالد ترامب إلى السلطة، بات من الصعب فصل السياسة النقدية عن أدوات الضغط الجيوسياسي.
فالإدارة الأميركية اعتمدت نهجاً يقوم على إعادة فرض الرسوم الجمركية وتشديد السياسات التجارية والانخراط في صراعات دولية حساسة، ما ساهم في رفع مستوى عدم اليقين العالمي.
وفي مثل هذه البيئة، تصبح الولايات المتحدة الوجهة الطبيعية لرؤوس الأموال، بفضل عمق أسواقها المالية وسيولة الدولار والثقة التاريخية بمؤسساتها، لدرجة أن دولاً خليجية غنية بالنفط بدأت تناشد واشنطن تأمين الحماية النقدية لها بسبب تداعيات الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن واشنطن تفتعل الأزمات، لكن المؤكد أنها تتقن استثمارها.
فكل تصعيد عسكري أو سياسي يُنتج طلباً إضافياً على الدولار، سواء في تسوية الصفقات التجارية أو في الاحتياطيات النقدية أو حتى في إدارة المخاطر من قبل الشركات والبنوك.
وبذلك، يتحوّل الدولار إلى ما يشبه" البنية التحتية" للنظام المالي العالمي، بحيث يصبح الخروج منه مكلفاً ومعقداً في آن واحد.
وفي مقابل الهيمنة الراسخة للدولار، يواجه اليورو تحديات هيكلية تحد من قدرته على منافسة الدولار بشكل فعلي.
فرغم أنه يحتفظ بحصة تقارب 21% من المعاملات العالمية، وفق بيانات" سويفت"، إلا أن هذه النسبة تعكس سقفاً يصعب تجاوزه في ظل غياب اتحاد مالي وسياسي متكامل داخل أوروبا.
كما أن خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (Brexit) شكل ضربة إضافية، إذ فقدت المنظومة الأوروبية أحد أبرز مراكزها المالية وأكثرها ارتباطاً بالأسواق العالمية.
تلعب البنية التحتية المالية دوراً حاسماً في ترسيخ هيمنة الدولار.
فشبكات مثل" سويفت"، رغم طابعها الدولي، تعمل ضمن منظومة مالية تهيمن عليها المؤسسات الغربية، ما يمنح الولايات المتحدة نفوذاً غير مباشر على حركة الأموال العالميةولا يقتصر هذا الضعف على البنية المؤسسية، بل يمتد إلى غياب دور أوروبي موحّد في إدارة الأزمات الدولية.
فعلى عكس الولايات المتحدة، التي تجمع بين القوة الاقتصادية والعسكرية، يفتقر الاتحاد الأوروبي إلى أدوات ردع موحدة، ما ينعكس مباشرة على جاذبية عملته في أوقات الاضطراب.
وليس أدل على هشاشة الموقف الأوروبي من عجزها حيال الأزمة الأوكرانية.
فالعملة، في نهاية المطاف، ليست مجرّد وسيلة تبادل، بل انعكاس لميزان القوة في النظام الدولي.
في موازاة ذلك، يبدو جلياً انحسار مسعى دول" بريكس" (BRICS) لإعادة تشكيل هذا الميزان عبر تقليص الاعتماد على الدولار، بعدما شهدت السنوات الأخيرة مبادرات متعددة لتعزيز استخدام العملات المحلية في التجارة البينية، إلى جانب طرح فكرة إنشاء عملة مشتركة.
إلا أن هذه الجهود لا تزال تواجه تحديات كبيرة، أبرزها التباينات الاقتصادية والسياسية بين الدول الأعضاء، وغياب بنية مالية موحدة قادرة على دعم عملة بديلة.
أما الصين، فتواصل دفع جهود تدويل اليوان، مستفيدة من ثقلها التجاري العالمي، ومن تطوير نظام مدفوعات خاص بها.
ومع ذلك، تشير بيانات" سويفت" إلى أن حصة اليوان لا تزال محدودة، إذ بلغت نحو 3.
1% من المعاملات العالمية، وهو ما يعكس استمرار فجوة الثقة مقارنة بالدولار.
فالمستثمرون الدوليون لا ينظرون إلى حجم الاقتصاد فقط، بل إلى شفافية النظام المالي وحرية حركة رأس المال واستقرار السياسات.
إلى جانب ذلك، تلعب البنية التحتية المالية دوراً حاسماً في ترسيخ هيمنة الدولار.
فشبكات مثل" سويفت"، رغم طابعها الدولي، تعمل ضمن منظومة مالية تهيمن عليها المؤسسات الغربية، ما يمنح الولايات المتحدة نفوذاً غير مباشر على حركة الأموال العالمية.
وقد برز هذا النفوذ بوضوح في السنوات الأخيرة، مع استخدام النظام المالي أداة للعقوبات والضغط السياسي.
يبدو جلياً انحسار مسعى دول" بريكس" (BRICS) لإعادة تشكيل هذا الميزان عبر تقليص الاعتماد على الدولار، بعدما شهدت السنوات الأخيرة مبادرات متعددة لتعزيز استخدام العملات المحلية في التجارة البينيةإذن، من الواضح أن هيمنة الدولار لا تقوم على عنصر واحد، بل على منظومة متكاملة تشمل الاقتصاد والسياسة والأمن والتكنولوجيا المالية.
ومع كل أزمة جديدة، يُعاد اختبار هذه المنظومة، لكنها غالباً ما تخرج أكثر قوة، مستفيدة من غياب بدائل قادرة على تقديم مستوى مماثل من الثقة والسيولة.
لكن يبقى السؤال: هل نحن أمام استراتيجية واعية لتوظيف الأزمات، أم مجرّد استفادة ذكية من نتائجها؟ الواقع أن ما يحصل يشير إلى أمر بين أمرين.
فقد لا تتحكم واشنطن بكل تفاصيل المشهد الدولي، لكنها تدرك جيداً كيف تحوّل الفوضى إلى رافعة لنفوذها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك