تتصاعد في إسبانيا المخاوف من احتمال حدوث اضطرابات في إمدادات وقود الطائرات خلال موسم الصيف، في وقت تعمل شركات التكرير والسلطات الحكومية على تأمين مخزونات كافية لتفادي أي اختناقات قد تمس حركة الطيران والسياحة، أحد أبرز محركات الاقتصاد الإسباني.
ويأتي هذا القلق في سياق أوروبي أوسع يتسم بتقلبات في أسواق الطاقة منذ أزمة أوكرانيا، وما تبعها من إعادة تشكيل مسارات التوريد وارتفاع الحساسية تجاه أي اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية.
وأكدت مصادر في قطاع الطاقة لـ" العربي الجديد" أن كبرى شركات التكرير العاملة في البلاد، وعلى رأسها" ريبسول" و" موفِه" و" بي بي"، نجحت حتى الآن في ضمان استقرار الإمدادات خلال شهر أيار/مايو، وتواصل حالياً جهودها لتأمين كميات إضافية لتغطية الطلب المتوقع في حزيران/يونيو، مع بدء ذروة موسم السفر الصيفي وارتفاع حركة الطيران الداخلي والدولي.
وتعمل هذه الشركات ضمن بيئة تشغيلية معقدة تتأثر بأسعار النفط الخام وتقلبات الشحن البحري وتكاليف النقل والتأمين، وهي عوامل أصبحت أكثر تقلباً منذ تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
لكن هذا الاستقرار، بحسب المصادر ذاتها، يظل" محدود الأفق الزمني"، إذ لا تتجاوز قدرة السوق الحالية على تقديم ضمانات واضحة سوى شهرين تقريباً، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في ما يتعلق بالمنتجات النفطية المكررة.
وتضيف المصادر أن أي توتر إضافي في أسواق الطاقة العالمية، سواء عبر اضطراب في مضيق هرمز أو ارتفاع مفاجئ في الطلب الآسيوي، يمكن أن ينعكس سريعاً على توافر وقود الطائرات في أوروبا.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة لإسبانيا، التي تعتمد بشكل كبير على قطاع السياحة، وتسعى هذا العام إلى تجاوز حاجز 100 مليون سائح دولي، ما يجعل أي اضطراب في تزويد المطارات بالوقود عاملاً حساساً قد ينعكس مباشرة على حركة السفر والإيرادات السياحية.
فالمطارات الإسبانية، وعلى رأسها مدريد وبرشلونة، تعمل بالقرب من طاقتها القصوى خلال أشهر الصيف، ما يزيد من هشاشة المنظومة أمام أي خلل في الإمدادات.
ورغم هذه المخاوف، تحاول الحكومة الإسبانية تبني خطاب طمأنة.
فقد أكدت وزارة التحول البيئي، عقب اجتماعها الأخير مع ممثلي شركات التكرير، أن الإمدادات مضمونة حالياً، خصوصاً خلال شهر مايو، مشيرة إلى أن إسبانيا تنتج نحو 80% من احتياجاتها من وقود الطائرات محلياً، وهو ما يمنحها هامش أمان مقارنة بعدد من الدول الأوروبية الأخرى.
كما تشير الحكومة إلى أن البنية التحتية للتخزين في الموانئ الإسبانية تُعد من الأكثر تطوراً في جنوب أوروبا، ما يخفف من حدة المخاطر على المدى القصير.
غير أن هذه الطمأنة الرسمية تصطدم بتقارير أوروبية تحذر من هشاشة المخزون على مستوى القارة، حيث تشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن أوروبا تمتلك احتياطيات من وقود الطائرات تكفي لنحو ستة أسابيع فقط، فيما لا يتجاوز المخزون الإسباني قرابة 31 يوماً، وفق التقديرات ذاتها، ما يضع البلاد ضمن دائرة متابعة دقيقة لتقلبات السوق.
ويضيف خبراء الطاقة أن هذا المستوى من المخزون يعكس سياسة “إدارة التدفق” أكثر من كونه احتياطاً استراتيجياً، ما يجعل أي اضطراب في الإمدادات الخارجية أكثر تأثيراً.
وفي هذا السياق، تعمل المصافي الإسبانية على رفع مستويات الإنتاج إلى أقصى طاقتها التشغيلية، إلى جانب تعزيز واردات الوقود من الخارج لتعويض أي نقص محتمل في الإمدادات الدولية، التي تمثل نحو 20% من الاستهلاك المحلي.
كما يجري تنسيق متزايد بين شركة المطارات الإسبانية" أينا" والمؤسسة الوطنية للاحتياطات النفطية" كورس" لمتابعة تطورات السوق وضمان استجابة سريعة لأي طارئ.
ويشمل هذا التنسيق خططاً بديلة لإعادة توزيع الإمدادات بين المطارات في حال حدوث اختناقات موضعية.
وتشير المصادر في القطاع إلى أن الضغوط على أسعار وقود الطائرات بدأت بالظهور فعلياً في الأسواق الأوروبية، مع صعوبة التنبؤ بحجم الإمدادات المتاحة خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً في ظل الحديث عن إعادة توجيه جزء من الشحنات نحو أسواق أكثر ربحية خارج أوروبا.
كما أن تكاليف التأمين والشحن ارتفعت بدورها نتيجة التوترات الجيوسياسية، ما يضيف عبئاً إضافياً على شركات الطيران والموزعين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك