كان اللقاء الأول الذي جمع كاتب هذه السطور مع عميد القلاليف في البحرين والخليج الحاج محمد نجيب أحمد جاسم التيتون رحمه الله في 23 أبريل 2008، أما المكان، فكان" عمارة التيتون" في النعيم، والبعض ينسب الموقع إلى منطقة البرهامة، إلا أن الحدث الذي جمعنا هو الحديث عن كتابه: " تاريخ صناعة السفن في البحرين والخليج"، ولأن" بوفارس" رحمه الله كان مصرًا على أن يحمي المهنة حتى آخر يوم في حياته.
فهكذا كان.
أما بعد، فصبيحة يوم 20 أبريل 2026 كانت حزينة حيث انطفأ صوتٌ كان يشبه دقّات المطارق على الخشب، صوتٌ ظلّ لعقودٍ ينسج من الألواح سفنًا، ومن الذاكرة تاريخًا، وبرحيل الحاج محمد نجيب التيتون الذي اشتهر بلقب" عميد القلاليف" في البحرين والخليج، فقدنا أحد آخر حرّاس صناعتها البحرية التقليدية؛ رجلٌ لم يكتفِ ببناء السفن، بل بنى جسرًا متينًا بين الماضي والحاضر.
في النعيم، وتحديدًا داخل" عمارة التيتون"، لم تكن الورشة مجرد مكان للعمل، بل مسرحًا حيًا تتقاطع فيه مفردات البحر: " الباورة" و" الأنكر" والمفردتان تعنيان" مرساة السفينة"، و" الكجّة" وهي موقع القيادة في مؤخرة السفينة.
وأصوات الحبال وهي تُشدّ كأنها أوتار آلةٍ قديمة تعزف تاريخ الجزيرة، هناك، ظل التيتون واقفاً كمنارةٍ خشبية، يقاوم تآكل الزمن بإصرار الحرفي الذي يعرف أن مهنته ليست وظيفة، بل هوية، ومن حسن الطالع أن موقع" حكاية المنامة" وثق هذه المشاهد مع الراحل.
وُلد الراحل عام 1954، فحمل منذ طفولته رائحة الخشب المبلل بالملح، وتعلّم من آبائه وأجداده أسرار القلافة، تلك الحرفة التي صنعت للبحرين أجنحةً من خشب، على مدى أكثر من خمسين عامًا، لم يكن مجرد صانع سفن، بل معلمٌ ومؤرخٌ شفهي، يختزن تفاصيل لا تسعها الكتب، ومع ذلك، قرر أن يقاوم النسيان بأداةٍ أخرى: الكتابة.
في كتابه تاريخ صناعة السفن في البحرين والخليج، وضع التيتون خريطة دقيقة لعالمٍ كان يوشك على الغياب فقد شرح الأدوات، وفكّك المصطلحات، وصنّف الأخشاب، ووثّق حتى أدق تفاصيل الحبال والصناديق البحرية.
لم يكن الكتاب مجرد توثيق، بل محاولة لإنقاذ روح مهنةٍ كاملة من الذوبان في زحمة الحداثة.
طيلة سنين حياته، روى المرحوم التيتون قصصًا من زمنٍ كانت فيه السفن تُبنى بالصبر لا بالآلات، منها حكاية نوخذةٍ فقد" الباورة" في عرض البحر، فحوّل النقص إلى فرصة، مستعينًا بمهارة البحارة الحدادين البحرينيين لصنع بديلٍ أعاد للسفينة توازنها، تلك القصص لم تكن مجرد حكايات، بل دروس في الابتكار والصمود، لم يغفل التيتون عن التحولات التي عصفت بالمهنة.
فمع تراجع صناعة السفن في بعض مناطق الخليج، خفّ الطلب على القلاليف، فهاجر عدد من كبار الحرفيين إلى وجهاتٍ أخرى مثل الكويت وقطر حيث بقيت الورش نابضة، وكان ذلك انتقالاً أشبه بهجرة النار من موقدٍ إلى آخر؛ لا هروبًا، بل حفاظًا على جذوة الحرفة من الانطفاء.
ورغم هذه التحولات، بقي التيتون في موقعه، كأنما اختار أن يكون آخر الحراس.
صنع عشرات السفن، وأشرف على ترميم مئات غيرها، داخل البحرين وخارجها، حتى غدا مرجعًا يُستشار وذاكرةً تُستعاد.
لم يكن مجرد قلاف، بل مدرسة متنقلة، وصوتًا يذكّر بأن البحر ليس ماءً فقط، بل تاريخٌ وثقافة وهوية، وشارك في الفعاليات التراثية، وفتح ورشته للزوار والباحثين، مؤمنًا بأن المعرفة إن لم تُنقل، تبهت! وكان يدرك أن الخطر الحقيقي ليس في اندثار الأدوات، بل في نسيان أسمائها، لذلك، ظل يردّد المصطلحات القديمة كأنها تعاويذ تحفظ المهنة من الغياب.
برحيله لم تفقد البحرين صانع سفن فحسب، بل تفقد" أرشيفًا حيًا" كان يمشي بين الناس، ومع ذلك، يترك خلفه إرثًا يقاوم الفناء: كتابًا وتلاميذ، وذاكرةً محفورة في خشب السفن التي ما زالت تعانق البحر.
" وداعًا أبا فارس".
لكن الحكاية لا تنتهي عند الرحيل، فكل موجةٍ تضرب شاطئ البحرين تحمل شيئًا من صوته، وكل سفينةٍ خشبية لا تزال تبحر تهمس باسمه.
لقد غادرت المرسى، لكن أثرك باق تحتضنه شواطيء البحرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك