في وقت لم يعد فيه النقص المادي مشكلة حقيقية لدى كثير من الأسر، برزت ظاهرة لافتة بين المراهقين تُوصف بـ“الطفش” أو الشعور الدائم بالملل والضيق، رغم توفر كل وسائل الترفيه والراحة حولهم.
هذا التناقض يطرح سؤالاً تربوياً عميقاً: لماذا يزداد الملل كلما زادت الخيارات؟المشكلة لا تكمن في وفرة الأشياء، بل في غياب المعنى خلفها.
فالمراهق اليوم يعيش في بيئة رقمية مفتوحة، مليئة بالمحتوى السريع، والألعاب، والمقاطع القصيرة التي تُشبع الانتباه مؤقتاً دون أن تبني ارتباطاً عميقاً أو هدفاً واضحاً.
ومع التكرار، يفقد الدماغ القدرة على الاستمتاع البسيط، ويصبح البحث عن “التحفيز الأقوى” هو القاعدة.
من الناحية التربوية، يظهر “الطفش” أحياناً كرسالة غير مباشرة، تعكس فراغاً داخلياً أكثر من كونه نقصاً خارجياً.
فراغ في الأهداف، في الحوار الأسري، وفي الإحساس بالمسؤولية.
حين لا يُطلب من المراهق دور حقيقي داخل أسرته أو مجتمعه، تتحول الوفرة إلى عبء، لا إلى نعمة.
كما أن الإفراط في تلبية الرغبات دون حدود واضحة يضعف مهارة الصبر، ويقلل من القدرة على تحمل التأخير أو الجهد، وهما من أهم مهارات النضج النفسي.
لذلك يبدو الملل سريعاً وحاداً، وكأنه رفض لكل ما هو متاح.
دور الأسرة هنا لا يقوم على مزيد من الترفيه، بل على إعادة التوازن.
من خلال إشراك المراهق في أنشطة ذات معنى، وتعليمه قيمة الوقت، وإعادة تعريف مفهوم “الإنجاز” بعيداً عن الاستهلاك السريع.
كما أن الحوار المستمر حول المشاعر يساعد في فهم ما وراء كلمة “طفشان”.
الملل عند المراهقين ليس مشكلة سطحية، بل مؤشر يحتاج قراءة تربوية أعمق، تكشف ما إذا كان الشباب يعيشون امتلاءً حقيقياً أم مجرد ازدحام بلا معنى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك