أهداني الدكتور خالد أبوالليل، رئيس مجلس إدارة الهيئة المصرية العامة للكتاب، عندما كنت أزور الهيئة لحضور اجتماع مجلس إدارتها الجديد، مجموعة من الإصدارات الحديثة، ومن بينها مسرحية «ابن رشد في متاهة المسرح»، للكاتب المسرحي محمد أبوالعلا السلاموني (3 يناير 1941 - 18 يونيو 2023).
وهذه المسرحية تأتي في إطار معالجة الكاتب الراحل أبوالعلا السلاموني للسيرة الذاتية لبعض رموز التنوير في ثقافتنا المعاصرة دراميا.
هكذا كتب عنه الناقد المعاصر أحمد عبدالرازق أبوالعلا.
في محاولة لتقديم هذه المسرحية.
يكتب عنه أنه قدَّم ثلاثية مسرحية بدأها بمسرحية «زمن السلطنة»، عن الفنانة منيرة المهدية.
ثم المسرحية التي نعرض لها الآن: «ابن رشد في متاهة المسرح»، والثالثة عن رفاعة الطهطاوي.
وهو بتلك التجربة يؤكد أهمية الاحتفاء برموز التنوير لنستلهم منهم القدرة على مواجهة كل ما من شأنه إضفاء مشاعر النور في ثقافتنا العربية.
وابن رشد، بطل مسرحيتنا هذه، يُشبه البطل التراجيدي الذي تحدَّث عنه أرسطو في كتابه «فن الشعر»، الذي سبق أن ترجمه لنا للعربية ابن رُشد.
وهي الترجمة التي أحدثت التباساً في كتابة فن الشعر، وأهداها إلىَّ الفيلسوف والمفكر الكبير الدكتور مراد وهبة صاحب المقولة الشهيرة عن مفارقة ابن رُشد.
وأحداث المسرحية تدور في قُرطُبة عاصمة الخلافة الأندلسية، عصر الخليفة يعقوب المنصور، والمشهد الأول تجري في بيت الوليد ابن رُشد، آخر الفلاسفة العرب.
وكان يُمارس تدوين بعض مؤلفاته، ويدخل عليه ضيف هو ابنه الطبيب أبومحمد عبدالله.
ويدور بينهما حوار يُطلق عليه المؤلف «المحاكاة الأولى».
ويقول ابن رُشد في المشهد الأول من هذا العرض إن أرسطو نفسه كان يرى أن محاكاة الواقع هي من ضمن غرائز البشر بلا استثناء، لأن الإنسان ميَّال بطبيعته للتقليد والتشخيص، ولديه شعور بالمتعة حين يحاكي الواقع، ويميل إلى الوزن والنغم، أو الإيقاع أو للرقص، وهي كلها ألعاب محاكاة وفنون تتحقق فيها المتعة البهجة والمعرفة وحُب الفُرجة.
ويقول ابن رشد في هذا العرض المسرحي إن نصف ثقافتنا عمياء.
ولذلك لم تعرف فن محاكاة بالرؤية، لكن من فضل الله علينا أن لدينا فنا شعبيا يتمثل في فن خيال الظل وفن الزجل لهذا الرجل ابن قُزمان عليه الرحمة والرضوان، هو من أدرك واستدرك تلك العاهة، وأراد استكمال ثقافتنا العمياء حين ابتكر فنون الفُرجة والعرض بما ابتدع من الأزجال، لا لمجرد أن تُلقى كالخُطبة مثل بقية خُطباء النخبة، بل لكي تُحكي وتُحاكي ويشاهدها الناس.
إن هذا العرض المسرحي الجميل الذي كتبه محمد أبوالعلا السلاموني يجعل الإنسان يحب أكثر المسرح إن كان من عُشَّاقه ومن مُريديه.
وسأظل أنتظر لحظة تقديمه على خشبة المسرح إن وجد شجاعة من أحد المخرجين المعاصرين لنا حتى أذهب وأراه وأستمتع به.
أما صاحب هذا العرض محمد أبوالعلا السلاموني المولود في دمياط سنة 1941، والذي رحل عن عالمنا سنة 2023 أي قبل ثلاث سنواتٍ مضت.
وكان كاتباً مسرحيا نشيطاً، وحصل على العديد من الجوائز، فكان هذا العرض آخر ما كتبه قبل أن يترك الدنيا.
مع أن له عروضاً مسرحية كتبها في حياته مثل «اللص والكلاب»، ومن المؤكد أنها مكتوبة عن الرواية التي تحمل نفس العنوان لنجيب محفوظ، و«الفراشات تحترق دائما»، و«نسر الشرق صلاح الدين»، و«محمد علي باشا»، و«الأرض بتتكلم عربي»، و«الحُب والملح»، وقد أخرج هذه العروض من المخرجين الكِبار: علوية زكي، وحسام الدين مصطفى، ومحمد فاضل، وأحمد خضر.
وقد عرفتُ من هذا الكتاب أن الهيئة العامة المصرية للكتاب أصدرت مؤلفات محمد أبوالعلا السلاموني التي تضم أعماله الكاملة من المسرحيات، وسأحاول الحصول عليها لقراءتها، لأن العرض الذي قرأته عن ابن رُشد يؤكد أنني إزاء كاتب صاحب موهبة حقيقية، وقدرة فريدة على الكتابة للمسرح.
وأننا برحيله المبكر والمفاجئ فقدنا كاتباً مهماً.
بقي أن أكتُب أن هذه المسرحية، التي تقع في حوالي مائة صفحة من القطع المتوسط، تُباع بثلاثين جنيهاً فقط، وهذا دورٌ تقوم به الهيئة المصرية العامة للكتاب بجدارة ونجاح، لا بد أن نُهنئها عليه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك