بينما كانت رصاصات أبطال القوات المسلحة والشرطة تدوي لتطهير تراب سيناء الغالي من دنس الإرهاب، كانت هناك معركة أخرى صامتة تدور رحاها في ردهات المساجد، وقاعات الكنائس، وساحات القرى والوديان، وما تزال مستمرة حتى الآن، وهي معركة لم تُستخدم فيها المدافع، بل كانت الكلمة الطيبة والموعظة الحسنة هي الذخيرة الحية في مواجهة «الأفكار المسمومة»، وهي معركة بطلها «التحالف المقدس» بين الأزهر والكنيسة، اللذين وقفا كحائط صد منيع أمام محاولات اختطاف عقول الشباب السيناوي، بالتعاون مع الجهات المعنية في الدولة.
المشهد في جامعة العريش يتجاوز بجماله كل الكلمات؛ فحينما توجهت للقاء وكيل وزارة الأوقاف في محافظة شمال سيناء، خلال فعالية عامة في المحافظة، وجدته يستقبل وكيل مطرانية شمال سيناء بعناق حار وابتسامات صافية جمعت بين قطبي الدين في المحافظة أمام حشود من الطلاب والمواطنين.
هذا العناق لم يكن مجرد بروتوكول رسمي، بل كان رسالة طمأنينة حية، تؤكد أن سيناء التي حاول الظلاميون تمزيق نسيجها، باتت اليوم أيقونة للوحدة الوطنية والتعايش الإنساني.
وكيل «أوقاف شمال سيناء»: ننفذ استراتيجية شاملة لحماية الإنسان من «الفكر المنحرف»تبدأ الحكاية من مديرية أوقاف شمال سيناء؛ حيث يقود الشيخ محمود مرزوق، مدير المديرية، منظومة متكاملة لتحصين العقول، ليؤكد «مرزوق» بلهجة واثقة، خلال حديثه لـ«الوطن»، أن خطة وزارة الأوقاف لم تكن يوماً مجرد وعظ وإرشاد، بل هي استراتيجية شاملة لبناء الإنسان وحماية فكره من الانحراف.
وكشف وكيل وزارة الأوقاف في محافظة شمال سيناء عن أرقام تعكس حجم الجهد المبذول؛ حيث تم تنفيذ 110 قوافل دعوية مشتركة جمعت بين علماء الأزهر الشريف، ودار الإفتاء، ووزارة الأوقاف، وهي القوافل التي طافت كل شبر في سيناء من مدنها إلى أبعد وديانها، كما أشار بفخر إلى مبادرة «صحح مفاهيمك»، التي نجحت في محاصرة التطرف عبر 44 محوراً فكرياً وتربوياً، فككت خلالها المفاهيم المغلوطة التي حاول الإرهاب زرعها لسنوات.
ويضيف «مرزوق»: «زمن الفكر المتطرف ولّى وبات مساحة محصورة في التاريخ.
واليوم نحن في عهد الإنجازات الفكرية والفنية الملموسة التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية».
وكيل «المطرانية»: التنمية هي السلاح الأقوىعلى الجانب الآخر من حكاية الصمود، يتحدث القمص غبريال إبراهيم حبيب، وكيل مطرانية شمال سيناء، بوقار الرجل الذي عاصر تقلبات الزمن في العريش لثلاثة عقود كاملة؛ فهو ليس مجرد رجل دين، بل شاهد عيان على ملحمة البقاء، ومعركة الوعي.
ويقول القمص غبريال، في تصريح لـ«الوطن»: «لقد عشت في العريش 30 عاماً، عاصرت فيها ثلاث مراحل فارقة، وهي مراحل الهدوء ما قبل الإرهاب، ثم سنوات النار والدمار، وصولاً إلى اللحظة الراهنة.
لحظة استعادة الثقة واقتلاع جذور الإرهاب والأمن والأمان والاستقرار وانطلاق التنمية».
ويرى القمص غبريال بوعيه الثاقب أن التنمية هي السلاح الأقوى، موضحاً أن الفقر وغياب المشروعات كانا الثغرة التي يتسلل منها دعاة الفكر الهدام لإغواء الشباب بالمغريات المالية، أما اليوم، فالتنمية الشاملة قطعت دابر التطرف تنموياً بعد أن قطعه أبطال القوات المسلحة والشرطة المدنية أمنياً.
أكثر ما يبعث على الإعجاب في علاقة «حراس الوعي» بسيناء، هو عمق الروابط الإنسانية، فيوضح القمص غبريال، وهو يشير إلى الشيخ محمود مرزوق، قائلاً: ««نحن لسنا مجرد مسئولين نلتقي في المناسبات، نحن أصدقاء حقيقيون نتواصل يومياً.
وعندما يشاهدنا الطلاب ونحن نتبادل الود، يدركون أن هذا هو جوهر مصر الحقيقي، وهذه الصورة هي أقوى سلاح لتوعية الشعب».
لم تغفل كلمات «قطبي الوعي» في محافظة شمال سيناء رصد ملامح العمران التي تكسو أرض الفيروز الآن، فالتفاؤل يسود الشارع السيناوي مع اقتراب وصول قطار العريش الذي سيربط المدينة بطابا، وتطوير الميناء العالمي، وانتشار محطات المياه النقية، ومشروعات التنمية في قلب الصحراء، وهي المشروعات القومية التي تنفذها كل الأجهزة المعنية في الدولة، تحت رعاية الرئيس عبدالفتاح السيسي، وبفضل دماء وتضحيات رجال الجيش والشرطة.
ويؤكد الشيخ محمود والقمص غبريال أن تلك المشروعات هي بمثابة «الحصن الأول» الذي يحمي عقول الشباب من الإغواء، بالإضافة لجهود الأزهر والكنيسة والأوقاف، ووزارتي الثقافة والشباب والرياضة في هذا الصدد.
وقال مسئولا الأوقاف والكنيسة أن جهودهما مستمرة لتحصين الشباب، وتفنيد أكاذيب الفكر المتطرف، لتواصل شبه جزيرة سيناء انتصاراتها، وتكون جزءاً تنموياً واقتصادياً فاعلاً في «الجمهورية الجديدة».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك